خاص أيوب


هل ينجح "الشرع" في إنقاذ سوريا؟

الاثنين 8 كانون الأول 2025 - 0:00

خاص (أيوب)

كان متوقَّعاً حدوث مذبحة كبرى في سوريا فور سقوط النظام الأسدي، بحسب كل التقديرات الاستخبارية الدولية فضلاً عن الانطباع العام داخل سوريا نفسها، بسبب ما ارتكبه زبانية بشار الأسد من فظائع لا تخطر على بال أحد، ضدّ الغالبية السنية على وجه الخصوص. بل كان من السهل جداً، انتقال المعركة فوراً إلى لبنان، والعراق؛ إذ انغمس حزب الله والميليشيات العراقية في الدم السوري انحيازاً منهما إلى النظام الظالم، فكان هو وهي شريكين له في كل ما اقترفه، من جرائم، وما تسبب به من دمار.

كلا الأمرين لم يقعا، فلا المذبحة الكبرى وقعت، ولا انتقال الحرب إلى خارج سوريا؛ والسبب هو الفاتح أبو محمد الجولاني، الذي قرر في 8 كانون الأول العام الماضي، الانتقال الفوري من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة، ومن منطق الثأر والانتقام إلى منطق العدالة والقانون، ومن الأيديولوجيا إلى المصلحة. كانت الخطوة الأولى، استعادة اسمه، وعائلته، ومزاجه الدمشقي الأصيل، وبذل كل رصيده الجهادي السابق، لضبط الذات كما جنوده كقائد "إدارة العمليات العسكرية"، ضمن عملية "ردع العدوان"، لتجنب ما توقعه كثير من الخبراء، ومعظم الشعب السوري قبل هرب بشار الأسد في عتمة الليل، دون إخبار أحد من أقاربه والمقربين منه، أو جنوده أو أفراد ميليشياته أو حتى بعض حلفائه الأقربين، إيران وأذرعها في المنطقة. ولربما كان الرئيس الهارب يأمل بوقوع المذبحة، في بني قومه، من أجل أن يبقى أمل ما بعودته. لكن أحمد الشرع، صاحب العقل الراجح، والرؤية الثاقبة، كان قد درس خلال سنوات الثورة، كل عثراتها وعوائقها وثغراتها، فوضع خطة متكاملة لتأمين الظروف السياسية لبناء الدولة، وانتهاج سياسة صفر عداوة مع أحد، حتى مع الذي قاتلوه، بالقدر نفسه الذي أعدّ في السنوات الخمسة السابقة خطة عسكرية محكمة لإسقاط النظام بأقل كلفة على المهاجمين الثوار والمدافعين عن النظام، على حدّ سواء، حتى في صفوف الميليشيات الأجنبية التابعة لإيران، فعفا عن من ألقى السلاح، وعاد إلى منزله، كما ترك آلاف المقاتلين الأجانب ينسحبون بسلام. كان ذلك مشهداً لا يمكن تصوّره، ولا تخيّله قبل انطلاق "ردع العدوان"، وهو ما كان له على الفور وقع سيء جداً، في نفوس أهالي الشهداء، والجرحى، والمشرَّدين والمفقودين، وهم بالملايين، فضلاً عن أن التسامح مع الأعداء أو حتى مع المعارضين السياسيين للسلطة الجديدة لم يُقابَل بالمثل، أو بردّ الجميل، بل اعتُبر حُسن الأخلاق، إشارة ضعف، فسرعان ما انطلقت ألسنتهم الحادة بالنقد والتجنّي والكذب والتضليل، بل الشتم والسُّباب، وهم آمنون مطمئنون من المحاسبة والمعاقبة، ولأن الرئيس حليم، طويل البال، و"آدمي"، ولا يعتدي، أو لا يقدر على ظلم أحد، بنظر هؤلاء، ولاعتبارات سياسية متعددة، ومنها عدم إغضاب الدول الراعية لسوريا الجديدة. وأفاد أيتام النظام السابق من سماحة النظام الجديد، فبعد مناوشات دامية على الحدود اللبنانية السورية، في شباط الماضي، قُتل فيها غدراً رجال من حرس الحدود والجيش السوري الجديد، بطريقة متوحشة واستفزازية، أوقع فلول الأسد مذبحة كبيرة في رجال الأمن العام في الساحل في إحدى ليالي رمضان، شهر آذار الماضي، فسقط منهم غدراً مئات الشهداء، ثم استُدرج الأمن العام إلى السويداء للفصل بين رجال حكمت الهجري والعشائر، في تموز الماضي فوقعت مذبحة أخرى، برجال الأمن العام والجيش، غدراً كذلك، وعن سابق تخطيط. وكل ذلك، استدراجاً لمذبحة كبرى توقّعوها أو أرادوها، عقب انهيار النظام وفرار بشار الأسد، وبهدف إسقاط الدولة الجديدة، سياسياً وأخلاقياً، وتأبيد العقوبات الشاملة والقاسية التي كانت مصممة أصلاً، لحصار النظامين الأسدين الأول والثاني، لا معاقبة الشعب الضحية. فكما أنهكت تلك العقوبات نظام بشار الأسد، كان يأمل هؤلاء ببقاء العقوبات نفسها، لإفشال جهود أحمد الشرع.  

لكن الرئيس لم ينجح فقط، في إنقاذ الشعب السوري من فخ الحرب الأهلية، بل في رفع العقوبات المفروضة على سوريا، فمنها ما رُفع فوراً، ومنها ما سيُرفع لاحقاً. وهذا كله، لأن الشرع يحمل فكرة بناء دولة، لا تحويل سوريا المدمرة أصلاً إلى ساحة فوضى لا أفق لها.

لكن هل يتوقف المتضررون من سقوط النظام عن التآمر على سوريا الجديدة؟ وهل ينجح أحمد الشرع في إنقاذ سوريا من الأزمات الهائلة التي تسبّب بها الأسد وحلفاؤه، كما نجح حتى الآن في إنقاذها من الحرب الأهلية؟

من خسروا كل شيء بخسارة نظام الأسد، لن يتوقفوا عن التآمر، لأنهم ليس لديهم ما يخسرونه إن حاولوا إسقاط التجربة الجديدة وتشويهها بأي شكل. ومن المؤكد أيضاً أن الرئيس أحمد الشرع لن يتوقف عن محاولاته الدؤوبة لإنقاذ سوريا، وإنهاضها في كل المجالات. أما النجاح في ذلك، فله شروطه الأساسية وسياقاته الموضوعية، وقد توفّر حتى الآن كثير منها.     



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة