الأربعاء 1 تموز 2026 - 0:00
خاص (أيوب)
ليست وجهة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس تفصيلاً في برنامج زيارته إلى لبنان، بل تبدو محطة مدروسة بعناية، سواء من حيث المكان أو التوقيت أو مضمون الرسائل التي يراد إيصالها. فالوزير السوري سيبدأ جولته بأداء صلاة الجمعة في مسجد السلام يوم الجمعة المقبل، ثم يتجول في أسواق المدينة القديمة، من دون عقد أي لقاءات مع القيادات أو المرجعيات السياسية، في خطوة توحي بأن دمشق اختارت مخاطبة الشارع مباشرة، لا النخب السياسية.وقد علم "أيوب" أنّ العديد من القيادات السياسية الطرابلسية أجرت مروحة واسعة من الاتصالات، سعياً إلى إدراجها ضمن برنامج زيارة الشيباني إلى طرابلس، إلا أنّ هذه الاتصالات باءت بالفشل، في ظل حرص الإدارة السورية على أن تكون زيارة الشيباني إلى المدينة ذات طابع شعبي لا سياسي، كي لا تُؤطَّر في خانة فريق ضد آخر.
وتضيف معلومات "أيوب" أنه من المتوقع أن تشهد طرابلس، يوم الجمعة، خلال صلاة الجمعة في مسجد السلام، حشدًا جماهيرياً كبيراً لا يقتصر على أبناء المدينة، إذ ستتقاطر وفود من مختلف بلدات الشمال، ولا سيما من عكار ووادي خالد والمنية.
وتتجاوز دلالات اختيار مسجد السلام البعد الديني. فهذا المسجد لا يمثل مجرد معلم ديني في طرابلس، بل يحمل في ذاكرة اللبنانيين واحدة من أكثر المحطات دموية خلال سنوات الحرب السورية، بعد التفجير الذي استهدفه عام 2013. ولذلك، فإن وقوف أول وزير خارجية يمثل سوريا الجديدة في هذا المكان يُقرأ على أنه رسالة رمزية مفادها أن دمشق الجديدة تحاول أن تنأى بنفسها عن إرث المرحلة السابقة، وأن تفتح باباً جديداً في العلاقة مع المدينة التي كانت رأس حربة في دعم الثورة السورية.
وليس خافياً أن طرابلس دفعت ثمناً كبيراً لموقفها خلال سنوات الحرب. فقد احتضنت عشرات آلاف النازحين السوريين، وشكلت بيئة سياسية وشعبية داعمة للمعارضة السورية، ما جعلها في قلب التجاذبات الأمنية والسياسية، وألقى بظلاله على واقعها الاقتصادي والاجتماعي.
تأتي الزيارة أيضاً في سياق الخطاب الذي يكرره الرئيس السوري أحمد الشرع منذ توليه السلطة، والقائم على احترام سيادة لبنان، وعدم التدخل في شؤونه، وبناء علاقة بين الدولتين تقوم على التعاون لا الوصاية. ومن هنا، تبدو زيارة طرابلس أول اختبار ميداني لهذا التوجه، خصوصاً أنها تتوجه إلى مدينة ارتبطت علاقتها بدمشق لعقود بالتوتر وعدم الثقة.
ولا تنحصر أهمية الزيارة في رمزيتها السياسية، فطرابلس تشكل أيضاً بوابة اقتصادية طبيعية لسوريا عبر مرفئها وموقعها الجغرافي القريب من الحدود، ما يجعلها مرشحة للعب دور أساسي في حركة التجارة، والترانزيت، وإعادة الإعمار إذا ما شهدت العلاقات بين البلدين مزيداً من الانفتاح.
ومع ذلك، فإن الزيارة لن تمر من دون نقاش داخل المدينة. فبين من يعتبرها مؤشراً إلى بداية مرحلة جديدة تستحق منحها فرصة، ومن يرى أن الماضي لا يمكن تجاوزه بالرموز وحدها، يبقى الرهان على ما إذا كانت هذه الخطوة ستُترجم لاحقاً إلى سياسات وإجراءات عملية تعيد بناء الثقة بين الجانبين.
وفي كل الأحوال، فإن زيارة الشيباني إلى طرابلس تحمل في مضمونها رسالة واضحة: سوريا الجديدة تحاول أن تبدأ من الأماكن التي كانت الأكثر جراحاً، وأن تجعل من المدينة التي شكلت يوماً عنواناً للمواجهة، مدخلاً لمرحلة مختلفة في العلاقات اللبنانية – السورية.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



