خاص أيوب


الأبنية المنهارة تهدد طرابلس مجدداً

الجمعه 28 آب 2026 - 0:03

كتبت (تالا غمراوي)

بعد أشهر على دق ناقوس الخطر، وإطلاق الوعود والخطط الحكومية والبلدية لمعالجة ملف الأبنية المتصدعة في طرابلس، تعود الأزمة اليوم من باب التبانة لتطرح السؤال نفسه:أين أصبحت الحلول؟

رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة كشف، أمس الخميس، أن أربعة مبانٍ متلاصقة في باب التبانة مهددة بالسقوط، وأن البلدية طلبت إخلاءها، إلا أن السكان لم يستجيبوا حتى الآن، ما دفع البلدية إلى التنسيق مع القوى الأمنية لمعالجة الوضع.

هذا التطور لا يبدو حادثة منفصلة، بل يعيد إلى الواجهة ملفاً انفجر بقوة مطلع العام بعد انهيار أبنية وسقوط ضحايا، واستدعى اجتماعات حكومية وإجراءات طارئة، وصولاً إلى توصيف كريمة وضع المدينة، في ما يتعلق بالأبنية المهددة، بأنه بلغ مستوى "النكبة".

ماذا تحقق منذ شباط؟

في 9 شباط، وضعت الحكومة خطة طوارئ للتعامل مع الأزمة. وكان من أبرز بنودها إخلاء 114 مبنى مصنفاً مهدداً، وتأمين بدل إيواء للعائلات التي يتم إخلاؤها لمدة سنة، إضافة إلى توفير مراكز إيواء والعمل على تدعيم الأبنية التي يمكن إنقاذها.

وبحلول 25 شباط، كانت الأرقام الرسمية تشير إلى إخلاء 36 مبنى ومغادرة 397 عائلة، فيما استفادت 66 عائلة طلبت المساعدة من مراكز الإيواء المؤقت، وبدأ العمل على تدعيم 9 أبنية قابلة للترميم وفق التقارير الفنية.

لكن المشكلة سرعان ما ظهرت أكبر من اللائحة الأولية. فالخط الساخن الذي خصصته البلدية لتلقي بلاغات السكان استقبل، بحسب كريمة في مقابلة أجريت معه في نيسان، بلاغات تتعلق بأكثر من 800 مبنى يخشى سكانها من أوضاعها الإنشائية. وهذا الرقم لا يعني أن جميعها آيلة للسقوط، لكنه يكشف حجم القلق والحاجة إلى مسح هندسي واسع ودقيق.

البلدية بدورها لم تنتظر التمويل الحكومي وحده. ففي شباط أعلن كريمة إنشاء صندوق طارئ لتدعيم الأبنية المتصدعة وإجراء مسح هندسي، بإشراف نقابة المهندسين، مع لجان للحوكمة والتمويل والإشراف الهندسي.

وبحسب الموقع الإلكتروني للصندوق، وصلت قيمة المساهمات التي جُمعت إلى نحو 292 ألف دولار من 55 متبرعاً حتى آخر تحديث ظاهر على الموقع.

لكن حجم الأزمة يجعل أي مبادرة محلية، مهما كانت مهمة، غير كافية بمفردها. فإذا كانت مئات الأبنية تحتاج إلى الكشف، وعشرات منها قد تحتاج إلى تدخل هندسي مكلف، فإن الحل يتطلب تمويلاً حكومياً وخارجياً مستداماً وليس صندوقاً طارئاً فقط.

لماذا يرفض السكان الإخلاء؟

تصريح كريمة أمس كشف مشكلة أخرى لا تقل خطورة عن تصدع الأبنية نفسها:ماذا يفعل المواطن بعد إخلاء منزله؟ فالطلب من عائلة تعاني أساساً أوضاعاً اقتصادية صعبة أن تغادر منزلها لا يمكن فصله عن سؤال السكن البديل وبدل الإيجار واستمرارية المساعدة. وهنا يصبح رفض بعض السكان المغادرة مفهوماً من الناحية الاجتماعية، وإن كان البقاء في مبنى ثبتت خطورته يشكل مجازفة بالحياة.

ولهذا، فإن تنفيذ قرارات الإخلاء بالقوى الأمنية قد يحمي السكان من خطر فوري، لكنه لا يشكل حلاً للأزمة إذا لم يترافق مع مسار اجتماعي يضمن للعائلة مكاناً آمناً تعيش فيه.

قبل ثلاثة أيام فقط، عادت بلدية طرابلس وطلبت إخلاء مبنى بصورة فورية بعد إنذار سابق لم يُنفذ، ما يشير إلى أن مشكلة عدم الالتزام بقرارات الإخلاء ليست محصورة بالمباني الأربعة التي تحدث عنها كريمة أمس.

البلدية كانت قد أوضحت منذ كانون الثاني أن قرار إخلاء أي عقار لا يصدر إلا بعد كشف ميداني وفني وتقني، بالتنسيق مع نقابة المهندسين وبناء على تقارير رسمية، وأن القوى الأمنية تستدعى للمؤازرة عندما يصبح تنفيذ القرار ضرورياً لحماية السكان.هذا يعني أن الوصول إلى مرحلة طلب الإخلاء يفترض أن يؤخذ بمنتهى الجدية.

الأزمة لم تنتهِ

بعد أكثر من ستة أشهر على إطلاق خطة الطوارئ، يمكن القول إن الملف تحرك بالفعل: أُخليت أبنية، أُمنت مساكن مؤقتة لبعض العائلات، بدأت عمليات تدعيم، أُنشئ صندوق دعم، وتحرك ملف المسح الهندسي.

لكن ظهور أربعة مبانٍ متلاصقة مهددة بالسقوط في باب التبانة أمس يؤكد أنّ الأزمة لم تنتهِ.

طرابلس تحتاج الآن إلى جدول واضح ومعلن: كم مبنى كُشف عليه؟ كم مبنى دُعّم؟ كم مبنى هُدم؟ كم عائلة لا تزال بحاجة إلى إيواء؟ وأين أصبح المسح الشامل والتمويل المخصص لاستكماله؟



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة