السبت 23 أيار 2026 - 0:00
تحولت قضية الموقوفين الإسلاميين، وعلى رأسهم ملف الشيخ أحمد الأسير، إلى قضية رأي عام إسلامي شامل على مساحة الأراضي اللبنانية.
المشهد أمس جاء في محطتين: الأولى في بيروت، في منطقة الطريق الجديدة، والثانية في دار الفتوى في البقاع.
في المحطة الأولى، شهدت باحة مسجد الإمام علي بن أبي طالب في منطقة الطريق الجديدة في بيروت، عقب صلاة الجمعة، تجمعاً ضم مئات الشبان المطالبين بأن يشمل قانون العفو العام الشيخ أحمد الأسير ورفاقه من الموقوفين الإسلاميين، رافضين استثناءهم من هذا القانون.وألقى إمام وخطيب مسجد الإمام علي، الشيخ الدكتور حسن مرعب، كلمة أمام المعتصمين، أكد فيها التمسك بأن يكون قانون العفو عاماً وشاملاً للجميع، مطالباً المملكة العربية السعودية وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالتدخل لحل هذا الملف.
وشهد الاعتصام، الذي نُفّذ في منطقة الطريق الجديدة، توتراً لافتاً بعد تعرض النائب نبيل بدر لهجوم من قبل عدد من ذوي الموقوفين الإسلاميين وأنصار الموقوف الشيخ أحمد الأسير في ملف أحداث عبرا، وذلك على خلفية رفضهم الصيغة التي توصلت إليها اللجان النيابية المشتركة بشأن قانون العفو العام. إلا أنّ هذا الإشكال تم حله وتوضيح موقف النائب نبيل بدر خلال زيارة قامت بها عائلة الأسير إلى مكتبه بعد الاعتصام.
في المقابل، وفي دار الفتوى في البقاع، وبدعوة من مفتي زحلة والبقاع الشيخ الدكتور علي الغزاوي، عُقد اجتماع علمائي موسّع، صدر عنه بيان أكد فيه:
أولاً: إن العدالة الحقيقية لا تقوم على الانتقائية أو التسييس أو الانتقام، بل على الإنصاف والمساواة واحترام كرامة الإنسان وحقوقه التي كفلها الشرع والقانون.
والتأكيد على مواقف سماحة مفتي الجمهورية الدكتور الشيخ عبد اللطيف دريان وبيان المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، كما وتوجه الحاضرون بالشكر الجزيل للسادة النواب الذي يضحون بكل جهد لمواكبة ودراسة ملف الموقوفين ومواجهة أي خلل وظلم يلحق بهم وأكدوا على دعمهم وتأييدهم بكل ما يتطلب الأمر.
ثانياً: إن استمرار التأخير في المحاكمات، وبقاء بعض الموقوفين لسنوات طويلة دون أحكام عادلة ومنصفة، يشكل ظلماً مرفوضاً شرعاً وقانوناً وأخلاقاً، ويهدد ما تبقى من ثقة الناس بمؤسسات الدولة والقضاء.
ثالثاً: إننا نوجّه نداءً إلى فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء، وإلى جميع القوى السياسية والأمنية والقضائية، لتحمل مسؤولياتهم الوطنية والإنسانية في:
-تسريع المحاكمات وإنهاء حالات التوقيف الطويل دون أحكام.
- تصحيح المظالم التي لحقت بعدد كبير من الموقوفين والمطلوبين.
- محاسبة كل من ثبت تورطه في التعذيب أو الظلم أو تلفيق الملفات أو استغلال النفوذ أو تجاوز القانون.
- إعادة الاعتبار لمبادئ العدالة والشفافية وحقوق الإنسان بعيداً عن الكيدية السياسية والاستنسابية.
رابعاً: لسنا مع العفو العام الذي يساوي بين الضحية والجلاد والذي يسقط حقوق العباد دون محاكمة لكننا نؤكد أن أي طرح للعفو العام يجب أن يكون قائماً على أسس عادلة وواضحة ومنصفة، تحفظ حقوق المظلومين وحقوق أصحاب الدماء والحقوق الشخصية، وتراعي الأحكام الشرعية والإنسانية، بعيداً عن التوظيف السياسي أو المقايضات أو استثناء فئات معينة ظلماً وعدواناً.
خامساً: إننا نرفض المتاجرة بدماء الناس وآلامهم أو استخدام المؤسسات العسكرية والأمنية مادة للتحريض والانقسام، ونؤكد في الوقت نفسه احترامنا الكامل للجيش اللبناني والقوى الأمنية وتقديرنا لتضحياتهم في حماية الوطن واستقراره.
سادساً: إن قضية الموقوفين والمظلومين ليست قضية فئة أو طائفة أو منطقة، بل قضية عدالة وطنية وأخلاقية وإنسانية، تستوجب من جميع اللبنانيين وأصحاب الضمائر الحية الوقوف إلى جانب الحق ورفع الظلم وإنصاف المظلومين.
كما يؤكد المجتمعون أن احترام الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية واجب وطني، وأن الاعتداء على العسكريين أو مؤسسات الدولة أمر مرفوض ومدان، لأن الأصل في هذه المؤسسات أن تكون لحماية الوطن والناس وصون الأمن والاستقرار.
لكن في المقابل، فإن تقديس أي مؤسسة ومنع الناس من انتقاد الأخطاء أو المطالبة بالعدالة والمحاسبة، يناقض مبادئ الدولة والقانون. فالجيش وُجد لحماية المواطن والإنسان والحدود، وليس لتحويل أي ملف يتعلق به إلى قضية محرّم النقاش فيها أو بابٍ للاستنسابية في الأحكام والتوصيفات القانونية.
ومن غير المقبول استمرار اعتماد معايير مزدوجة في التعاطي مع الملفات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، بحيث تُشدَّد التهم إلى حد “الإرهاب” في بعض البيئات والفئات، ولا سيما بحق عدد من أبناء أهل السنة والجماعة، فيما شهد لبنان في مراحل سابقة من اعتدى على الجيش وقتل ضباطاً وعسكريين ثم شملتهم تسويات أو قوانين عفو أو أُخلي سبيلهم بعد سنوات.
إن العدالة الحقيقية لا تقوم على الانتقائية، ولا على التمييز بين اللبنانيين، ولا على اعتبار فئة مستباحة وفئة محصنة. كما أن حماية هيبة الدولة لا تكون بالظلم أو بالمبالغة في العقوبات أو بحرمان الناس من حقوقهم القانونية والإنسانية.
إن كرامة المواطن وحقوق الإنسان والعدالة المتساوية بين الناس تبقى الأساس الذي تُبنى عليه الدولة العادلة، وأي خلل في هذا الميزان يهدد الثقة بالمؤسسات ويعمّق الانقسام والاحتقان في البلاد.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



