السبت 13 حزيران 2026 - 0:01
نشر معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي تقريراً على قدر كبير من الاهمية. يظهر تسلسل الاحداث في المعركة الدائرة في جنوب لبنان بين العدو الاسرائيلي وحزب الله. وكيف دخلت الضاحية كعنصر أساس في المعادلة.
المقال الذي نشره المعهد الاسرائيلي جاء تحت عنوان "بين الضاحية وطهران: الجهود لمنع التصعيد وفصل الساحات". جاء فيه:
تسلسل الأحداث: من وقف إطلاق نار هشّ إلى جولة إقليمية
في أواخر أيار/مايو وبداية حزيران/يونيو، أدى عاملان رئيسيان إلى تصاعد هجمات حزب الله على شمال إسرائيل: الأول، تمثّل في تقييد النشاط العسكري الإسرائيلي من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما فيما يتعلق بالضربات على الضاحية الجنوبية لبيروت، بهدف ترسيخ وقف إطلاق النار وإتاحة التقدم في المفاوضات بشأن اتفاق مع إيران. أمَّا العامل الثاني، فكان سلسلة النجاحات التكتيكية التي حققها حزب الله باستخدام طائرات "FPV"المسيَّرة، التي أوقعت إصابات قاتلة في صفوف جنود الجيش الإسرائيلي. ولقد أصبح هذا الوضع غير مُحْتَمَلٍ من وجهة نظر إسرائيل، وهو ما دفعها في الأول من حزيران/يونيو إلى التصريح بأنه إذا استمرت هجمات حزب الله، فإنها ستستهدف الضاحية الجنوبية. وسارع ترامب إلى التدخل لمنع ذلك، عقب تهديد إيراني بأن ضربة كهذه ستؤدي إلى وقف المحادثات. وفي اليوم التالي، ترسخت عملياً معادلة جديدة: لن تهاجم إسرائيل الضاحية الجنوبية ما دام حزب الله لا يهاجم أهدافاً داخل إسرائيل.
في المقابل، عملت الإدارة الأميركية على دفع المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان. وفي 3 حزيران/يونيو، انتهت الجولة الرابعة من هذه المحادثات بإعلان مشترك يفيد بتجديد الاتفاق على وقف إطلاق نار مشروط. وكان هذا الجهد الدبلوماسي يهدف إلى تحقيق هدف أميركي مزدوج: وقف التدهور العسكري بين إسرائيل وحزب الله، ومحاولة تثبيت الوضع على الحدود الشمالية، بالتوازي مع تهيئة الأوضاع للتقدم في الجهد الأوسع الذي تبذله الإدارة الأميركية تجاه إيران. لكن سرعان ما تبيّن أن هذا الإطار هشّ ولا ينسجم مع الواقع الميداني، فقد رفض الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، نتائج الاجتماع، واستمر إطلاق النار في اتجاه الشمال، وأدى ذلك إلى الضربة الإسرائيلية المحدودة على الضاحية الجنوبية في 7 حزيران/يونيو، والتي أعقبها اندلاع جولة قصيرة من الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل (7–8 حزيران/يونيو)، قبل أن تتوقف نتيجة التدخل الأميركي.
يُظهر هذا التسلسل أن الترتيبات في لبنان ليست مجرد اختبار لقدرة الردع والإنفاذ في مواجهة حزب الله، بل أيضاً اختبار لقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على منع ربط الساحات المتعددة، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى إيران وحزب الله؛ فمن وجهة نظر إسرائيل، هدفت الضربة على الضاحية الجنوبية إلى منع ترسيخ معادلة تقيّد حرية عملها، وإلى تأكيد أن انتهاكات حزب الله ستدفع ثمناً. أمَّا إيران وحزب الله، فقد سعيا للعكس تماماً: استخدام ترابط الساحات لمنع استمرار نشاط الجيش الإسرائيلي في لبنان وفرض معادلة تحدّ من حرية العمل الإسرائيلية.
الزاوية الأميركية: منع التصعيد قبل استكمال الحسم
من منظور إدارة ترامب، يُعَد لبنان هدفاً مهماً بحد ذاته، فواشنطن تسعى لتثبيت الوضع على الحدود الشمالية، وتعزيز الحكومة اللبنانية، وتقليص هامش حركة حزب الله، ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية، لكن لبنان في المرحلة الحالية يخضع أيضاً للمسعى الأوسع الذي يقوده ترامب لإنهاء الحرب مع إيران، أو على الأقل إدارتها. وفي ظل الإحباط الأميركي من حالة الجمود في الاتصالات مع طهران، تسعى الإدارة لمنع الساحة اللبنانية من التحول إلى جبهة تُفشل المسار مع الجمهورية الإسلامية، وتزيد من حالة عدم اليقين الإقليمي، وتفرض أعباءً سياسية واقتصادية إضافية على واشنطن.
لهذا السبب، سارعت الولايات المتحدة إلى تصوير نتائج المحادثات على أنها اتفاق متجدد لوقف إطلاق النار. وكان ترامب قد تدخّل قبل ذلك لمنع ضربة إسرائيلية واسعة على بيروت، بل وقدّم الأمر بصفته إنجازاً مباشراً لتدخُّله لدى إسرائيل وحزب الله. وادعى ترامب أنه تحدث مع حزب الله عبر "وسطاء رفيعي المستوى للغاية"، وأن الحزب وافق على وقف إطلاق النار. وفي الوقت نفسه، أشار مسؤولون إسرائيليون إلى أن الضربة على الضاحية الجنوبية تأجلت بطلب أميركي، في إطار الجهود الرامية إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
تُعَزِّزُ التطورات الأخيرة مخاوف الإدارة الأميركية من أن الساحة اللبنانية قد تعرقل جهودها تجاه إيران، لذا من المتوقع أن تواصل واشنطن تفضيل احتواء التصعيد على استنفاد الضغط العسكري على حزب الله، غير أن هذا النهج ينطوي على خطر واضح؛ إذا تُرجم منع التصعيد أساساً إلى كبح إسرائيل بدلاً من فرض القيود على حزب الله وإيران، فإنه سيشجع المحور الإيراني على استخدام لبنان كآلية "فيتو" ضد حرية العمل الإسرائيلية.
الزاوية اللبنانية: رغبة في التسوية من دون قدرة على فرضها
استندت الخطة الأميركية، كما انعكست في البيان المشترك الصادر في ختام الجولة الرابعة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل، إلى منطق واضح: تلتزم حكومتا لبنان وإسرائيل وقفَ إطلاق النار، ويُطلب من حزب الله وقف هجماته وسحب عناصره من جنوب لبنان، ويتولى الجيش اللبناني مسؤوليات أمنية أوسع، بينما تستمر المحادثات بين إسرائيل ولبنان لبناء تسوية أشمل. وقدمت الولايات المتحدة هذا الاتفاق باعتباره خطوة يمكن أن تعزز سيادة لبنان وتنقل المسؤولية الأمنية إلى مؤسسات الدولة اللبنانية.
لكن ضعف الافتراض الأميركيكان واضحاً منذ البداية، فالاتفاق تم بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، التي ترغب في التسوية، لكنها أضعف من أن تنفذها، بينما الطرف الذي يملك مفتاح وقف إطلاق النار –حزب الله– ليس طرفاً رسمياً في الاتفاق. وعملياً، يُطلب من الحكومة اللبنانية تحقيق نتيجة قد لا تملك القدرة على فرْضها: وقْف نشاط حزب الله في الجنوب، وإخضاع الساحة الأمنية لسيادة الدولة. لهذا، فإن تعزيز الحكومة اللبنانية يُعَدُّ هدفاً حيوياً بالنسبة إلى واشنطن، لكن قدرة بيروت العملية على فرض الاتفاق على حزب الله تبقى محدودة للغاية.
وهنا تكمن المعضلة الأميركية: فمن أجل تقوية الحكومة اللبنانية، لا بد من التعامل معها باعتبارها العنوان السياسي الرئيسي للتسوية، لكن من أجل تحقيق الهدوء الفعلي، لا بد من أخذ موقف حزب الله بعين الاعتبار. هذا التناقض هو مصدر ضعف الخطة، وقد زادت الجولة القصيرة الأخيرة بين إسرائيل وإيران من حدة هذه المعضلة، في ضوء تدخُّل إيران لمساندة حزب الله، وسعيها لترسيخ معادلة فحواها أن أي عمل إسرائيلي في لبنان قد يؤدي إلى رد مباشر من إيران.
زاوية حزب الله: رفض تسوية تقيّد حركته
كان إعلان ترامب أن إدارته تحدثت مع حزب الله عبر وسطاء خطوة استثنائية في سياسته، ويعكس براغماتية ترامب المعهودة؛ فإذا كان حزب الله هو الجهة القادرة على وقف إطلاق النار، فلا بد من التواصل معه ولو بصورة غير مباشرة.
غير أن هذه الخطوة تكشف تناقضاً داخلياً؛ فواشنطن تريد تعزيز سيادة لبنان وإخراج حزب الله من جنوب البلد، لكنها في لحظة الأزمة مضطرة إلى اللجوء إلى الفاعل غير الحكومي الذي يقوّض تلك السيادة.
وإن رفْض حزب الله للخطة يعقّد تنفيذ الاستراتيجيا التي رسمها ترامب، لأن الحزب يطالب بوقف كامل لإطلاق النار، وتقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي، على غرار الوضع الذي سبق عملية "زئير الأسد". كما يواصل حزب الله ربْط وقف إطلاق النار في لبنان بالتوصل إلى اتفاق أميركي مع إيران، كي لا يجد نفسه منفرداً في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والأميركية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن حزب الله لا يعترف بالمحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، ويسعى لمنع تحولها إلى مسار يحد من نشاطه، ويدفع نحو نزع سلاحه، ويقوض مكانته المستقلة داخل لبنان، لذا، فهو يعارض أي تسوية سياسية تهدد موقعه، ويسعى للحفاظ على مكانته باعتباره طرفاً لا غنى عنه في أي ترتيبات أمنية.
الزاوية الإيرانية: حماية حزب الله واستخدامه في المفاوضات
من منظور التقييم الأميركي، لا تمثل مواقف حزب الله مجرد عقبة تكتيكية، بل أيضاً تقوض الافتراض الأساسي القائل بإمكان الفصل بين الحكومة اللبنانية وحزب الله وإيران؛ فواشنطن تريد التفاوض مع بيروت، واحتواء حزب الله، والتقدم في الوقت نفسه مع طهران، لكنّ الواقع يُظهر صعوبة إدارة هذه الملفات بصورة منفصلة، بينما تعمل إيران وحزب الله على ربط بعضها ببعضها الآخر.
وهنا يكمن جوهر المسألة؛ فقد كان حزب الله لأعوام طويلة أهم أداة ردع تملكها طهران في مواجهة إسرائيل، وحتى بعد تعرُّض قدراته لضرر كبير، فهو لا يزال عنصراً أساسياً في قدرة إيران على تعطيل التسويات، وممارسة الضغط غير المباشر، وردع إسرائيل والولايات المتحدة عن اتخاذ خطوات إضافية. ومن منظور إيران، فإن أي تسوية في لبنان تؤدي إلى إبعاد حزب الله عن الجنوب وتقليص حريته في الحركة تمثل ضربة استراتيجية لشبكة وكلائها. أمَّا إذا أصبح كل عمل إسرائيلي في لبنان يقابله تهديد أو رد إيراني، فإن طهران ستنجح في تحويل لبنان إلى ورقة "فيتو" على حرية العمل الإسرائيلية.
التحديات أمام إسرائيل: الضبط في لبنان من دون فتح جبهة إيرانية
من وجهة نظر إسرائيل، ينبغي أن يكون الهدف الأساسي في الحوار مع واشنطن ترسيخ تمييز واضح بين الضبط في لبنان والتصعيد مع إيران، فعلى إسرائيل أن تؤكد أن أي عمل موضعي تقوم به رداً على هجمات حزب الله أو لمواجهة تهديد متنامٍ من جانبه ينبغي ألاَّ يُنظر إليه باعتباره تقويضاً للمسار الأميركي مع إيران، بل شرطاً لاستمراره. فإذا تمكن حزب الله من مواصلة مهاجمة إسرائيل وهو يعلم أن أي رد إسرائيلي سيؤدي إلى ضغوط أميركية خشية رد إيراني، فإن الترتيبات في لبنان ستنهار، وسيحصل حزب الله على حصانة.
ينبغي على إسرائيل أن تطلب من الإدارة الأميركية صوغ "قواعد لفصل الساحات" تتضمن: اعتبار الردود الإسرائيلية الدقيقة على انتهاكاتحزب الله في لبنان لا تمنح الشرعية لرد إيراني، والمطالبة بالتزام أميركيً بإيصال هذه الرسالة إلى طهران. كما يجب أن تتضمن آلية استجابة متدرجة تُحمّل حزب الله وإيران المسؤولية الأولى عن منع التصعيد، ليس إسرائيل وحدها. وفي الوقت نفسه، ينبغي لإسرائيل تجنُّب إطلاق تهديدات علنية تجاه بيروت أو إيران من دون تنسيق مسبق مع واشنطن، لأن تصريحات كهذه قد تضعها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمَّا تنفيذ التهديد بما يضر بالجهود الأميركية ويزيد خطر التصعيد ويؤثر سلباً في العلاقات الثنائية، وإمَّا التراجع عنه ومنح حزب الله وإيران مكسباً معنوياً على صعيد الوعي والرواية.
في المحصلة، أظهرت الجولة الأخيرة أن لبنان ليس مجرد اختبار لوقف إطلاق النار، بل أيضاً اختبار لقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على منع إيران وحزب الله من ربط الساحات المتعددة، فإدارة ترامب تريد منع التصعيد والحفاظ على إمكانية التوصل إلى ترتيبات مع طهران، بينما تريد إسرائيل الحفاظ على حرية عملها ضد حزب الله ومنع إعادة بناء قوته. ولا يتعين بالضرورة أن يتعارض هذان الهدفان، لكن تحقيقهما يتطلب تفاهمات واضحة بين القدس وواشنطن؛ يجب أن يكون هناك ثمن لانتهاكات حزب الله، وأن تواجَه أي محاولة إيرانية لاستخدام لبنان كورقة تعطيل برسالة أميركية حازمة. ومن دون تفاهمات كهذه، ستواصل إيران وحزب الله محاولة تحويل الخشية الأميركية من التصعيد الإقليمي إلى أداة لتقييد حرية الحركة الإسرائيلية في لبنان.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



