السبت 22 آب 2026 - 0:13
خاص (أيوب)
لم يكن القرار الأميركي الأخير بشأن حزب الله مجرد إضافة أسماء جديدة إلى لوائح العقوبات، بل حمل هذه المرة بعداً سياسياً وقانونياً يتجاوز تجميد أموال أفراد أو منع التعامل معهم. فواشنطن أعادت تصنيف حزب الله على خلفية عمله لمصلحة النظام الإيراني وتحت قيادة "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري، في خطوة تسعى من خلالها إلى تثبيت صورة الحزب، ليس كتنظيم لبناني مدعوم من إيران فحسب، بل كجزء من منظومة النفوذ الإيرانية خارج الحدود.
القرار الصادر في 20 آب 2026 ترافق مع فرض عقوبات على عشرة أشخاص تتهمهم واشنطن بالمشاركة في شبكات لنقل الأموال إلى حزب الله، من بينهم رجل أعمال تركي تقول السلطات الأميركية إنه يدير شبكة إقليمية لتهريب الأموال، مستخدماً شركات واجهة ومؤسسات صيرفة وحسابات مصرفية مرتبطة بعمليات تحويل على صلة بفيلق القدس.
ما الجديد أميركياً؟
حزب الله ليس جديداً على لوائح الإرهاب الأميركية. فالولايات المتحدة تصنّفه "منظمة إرهابية أجنبية" منذ عام 1997، كما أدرجته عام 2001 على لائحة "الإرهابيين العالميين المصنّفين بشكل خاص". لذلك، فإن أهمية الخطوة الجديدة لا تكمن في اعتبار الحزب منظمة إرهابية للمرة الأولى، بل في الأساس الذي استندت إليه واشنطن في إعادة التصنيف: العمل لمصلحة الحكومة الإيرانية وتحت قيادة فيلق القدس.
هذا التفصيل يفتح الباب أمام مقاربة أميركية أكثر تشدداً تجاه شبكات الحزب المالية، خصوصاً تلك التي تتحرك بين دول عدة ولا تحمل بالضرورة اسم حزب الله بصورة مباشرة. فالهدف يصبح ملاحقة الحلقة المالية الممتدة من إيران إلى الوسطاء وشركات الواجهة والصرافين والناقلين، وصولاً إلى لبنان.
ماذا يعني ذلك داخل لبنان؟
لبنانياً، لا يغيّر القرار وحده الوضع القانوني لحزب الله داخل الدولة، ولا يؤدي تلقائياً إلى حظره كحزب سياسي. لكنه يرفع مستوى المخاطر المحيطة بأي تعامل مالي يمكن أن تكون له صلة مباشرة أو غير مباشرة بالحزب.
وهنا تكمن الحساسية بالنسبة إلى القطاع المصرفي والمالي اللبناني. فالمصارف ومؤسسات تحويل الأموال وشركات الصيرفة ستكون أمام تدقيق أكبر في مصادر الأموال ووجهتها، خشية التعرض لعقوبات أميركية أو خسارة علاقاتها مع المؤسسات المالية والمصارف المراسلة في الخارج.
وقد يصبح تأثير القرار أكبر على البيئة المالية المحيطة بالحزب من تأثيره المباشر على مؤسساته. فواشنطن تسعى من خلال العقوبات إلى تجميد أصول المستهدفين، ومنع المؤسسات المالية من التعامل معهم، وقطع تدفق السلع والخدمات والدعم المادي إليهم.
سياسياً أيضاً، يمنح القرار خصوم حزب الله في الداخل مادة إضافية للقول إن استمرار ارتباطه العضوي بإيران يضع لبنان أمام أعباء خارجية متزايدة، فيما سيتمسك الحزب على الأرجح باعتبار العقوبات جزءاً من الضغوط الأميركية المستمرة عليه وعلى إيران.
الخناق خارج لبنان
أما التأثير الأشد، فقد يظهر خارج الحدود اللبنانية. فالعقوبات الجديدة تكشف أن التركيز الأميركي يتحول بصورة أكبر إلى شبكات نقل الأموال والوسطاء الذين يعملون بين دول المنطقة.
واستهداف رجل أعمال تركي وشبكة من ناقلي الأموال يعكس أن واشنطن لا تحصر المواجهة المالية مع حزب الله بالساحة اللبنانية، وإنما تتعقب المسارات التي تستخدم لنقل الأموال عبر دول ثالثة ومؤسسات صيرفة وشركات واجهة.
وهذا يعني عملياً زيادة المخاطر على أي شخص أو مؤسسة في الخارج تتعامل مع جهات تشتبه الولايات المتحدة بأنها تعمل لمصلحة الحزب، بما يدفع المصارف والشركات الدولية إلى اتخاذ إجراءات احترازية قد تكون أحياناً أشد من العقوبات نفسها، تجنباً للدخول في مواجهة مع النظام المالي الأميركي.
من الحزب اللبناني إلى الذراع الإيرانية
لكن الرسالة السياسية ربما تكون الأخطر. فالولايات المتحدة تريد تكريس توصيف حزب الله باعتباره جزءاً من بنية إيرانية تقودها طهران عبر الحرس الثوري وفيلق القدس. ومسؤول أميركي أوضح أن الغاية من إعادة التصنيف هي إظهار أن الحزب يعمل لمصلحة الحكومة الإيرانية، وتحديداً فيلق القدس.
وهذا التوصيف يضيّق المسافة التي حاول حزب الله تاريخياً الحفاظ عليها بين هويته كحزب لبناني وبين علاقته الاستراتيجية بإيران. وكلما ترسخ دولياً وصفه كجزء من المنظومة الإيرانية، ازدادت صعوبة الفصل بين العقوبات المفروضة على طهران وتلك التي تستهدف شبكات الحزب.
لذلك، قد لا تظهر نتائج القرار الأميركي في اليوم التالي لإعلانه، ولن يعني وحده انقلاباً فورياً في المعادلة اللبنانية. إلا أن خطورته تكمن في المسار الذي يؤسس له: ربط أكثر إحكاماً بين حزب الله والدولة الإيرانية، وملاحقة أوسع لشبكاته المالية العابرة للحدود، ورفع كلفة التعامل معه أو مع الجهات التي تشتبه واشنطن بارتباطها به.
وبينما كانت العقوبات الأميركية السابقة تستهدف في كثير من الأحيان "مصادر تمويل حزب الله"، تبدو الرسالة الجديدة أكثر وضوحاً: واشنطن تريد التعامل مع الحزب باعتباره جزءاً تنفيذياً من منظومة النفوذ الإيراني. ومن هنا، فإن المعركة المقبلة قد لا تكون فقط على الأموال التي تصل إلى حزب الله، بل على قدرته على الحركة المالية والسياسية خارج لبنان، وعلى المساحة التي يستطيع الاحتفاظ بها داخله بين صفته كحزب لبناني وارتباطه بطهران.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



