دولي وعربي


اسرائيل تخشى السُنة

الأربعاء 18 شباط 2026 - 0:10

كتب الكاتب الإسرائيلي  يوني بن مناحيم مقالة في "معهد القدس للاستراتيجيا والأمن" تحت عنوان: "المشهد الإقليمي يتغيّر: المحور السّني يتماسك حول إسرائيل". جاء فيها:

يُبدي مسؤولون كبار في القدس قلقاً عميقاً إزاء المكانة المتنامية لتركيا على الساحتين الإقليمية والدولية. هذه المكانة تحظى أيضاً بدعمٍ من رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، وفي الوقت عينه، تزداد التقديرات في إسرائيل أن أنقرة تسعى لترسيخ نفسها كقوة إقليمية تمتلك قدرة نووية، وخصوصاً في ظل الشعور بالتآكل التدريجي للنظام الإيراني.

في سنة 2019، أثار الرئيس رجب طيب أردوغان مسألة السلاح النووي علناً؛ ففي 4 أيلول من ذلك العام، وخلال تجمُّع لحزب العدالة والتنمية، صرّح بأن لتركيا طموحات إلى امتلاك قدرة نووية عسكرية، وقال: "لا يمكننا قبول امتلاك قوى كبرى أسلحة نووية، بينما تُمنع تركيا من مثل هذه القدرات." وأشار بصراحة إلى إسرائيل، معتبراً أن امتلاكها هذه القدرة يحميها من الضغوط الخارجية ويردع خصومها.

في 9 شباط 2026، كرّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مضمون هذه التصريحات في مقابلة مع شبكة CNN، مؤكداً أن تركيا تدرس التداعيات الاستراتيجية الأوسع لسباق تسلُّح نووي إقليمية. ومع ذلك، شدد على أن تركيا لا تمتلك برنامجاً ناشطاً للأسلحة النووية حالياً، وأنها وقّعت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، واصفاً المسألة بأنها قضية استراتيجية رفيعة المستوى يجب البحث فيها ضمن "الصورة الأوسع"، وفي هذه المرحلة، تركز تركيا على إنشاء محطات طاقة نووية مدنية، وهي الأولى من بين ثلاث محطات مخطّط لها.

بالمقابل، يقدّر مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن أردوغان يعمل، في موازاة ذلك، على تطويق إسرائيل دبلوماسياً. ووفق هذه التقديرات، تسعى أنقرة لتوحيد العالم السنّي وإنشاء منظومة إقليمية جديدة، تشمل أيضاً خصوماً عرباً سابقين، مثل مصر، في إطار اصطفافٍ أوسع يمكن أن يحوّل الزخم الإقليمي ضد إسرائيل، وبحسب هذه المصادر، يتمثل الهدف في استبدال "الجدار الناري الإيراني" بجدار دبلوماسي سنّي موحّد يحيط بإسرائيل، وهو ما يقلّص حرية مناورتها، ويعزلها سياسياً.

في أفريقيا، تشارك تركيا، وفقاً للمصادر ذاتها، فيما يُوصف بـ"حرب الظل"، وهو صراع استراتيجي يمتد من ليبيا، مروراً بالسودان، وصولاً إلى الصومال. كذلك تُعرب تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية عن قلقها من احتمال اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وتنسّق الخطوات للحدّ من حرية تحرُّكها الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر.

يشير مسؤولون كبار في المؤسسة الأمنية إلى أن دولاً عديدة في الشرق الأوسط ترى أن إضعاف إيران عملية لا رجعة فيها. ونتيجةً لذلك، يُشكَّل محور سنّي واسع لملء الفراغ الذي نشأ بين البحر الأحمر والخليج العربي، وهكذا، تجد إسرائيل نفسها أمام بيئة أكثر تعقيداً على الساحة، تعمل فيها دول سنّية عديدة، بعضها معادٍ علناً، بينما تؤدي تركيا دوراً مركزياً.

في ظلّ هذا الواقع، قد تجد إسرائيل صعوبةً أكبر في ترجمة تفوُّقها العسكري إلى إنجازات استراتيجية فورية؛ فعلى الرغم من رفض طهران الاستجابة لمطالب الرئيس ترامب بشأن الملف النووي والصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية، فإن مكانتها الإقليمية تراجعت بشكل ملحوظ منذ حرب الأيام الـ12 في حزيران/يونيو الماضي، إذ تضررت بشدة مراكز نفوذها في سورية ولبنان وقطاع غزة. وفي الوقت عينه، تواجه إيران أزمة اقتصادية عميقة تتفاقم بسبب نقص المياه والغذاء، بينما تواصل الولايات المتحدة تشديد نظام العقوبات وزيادة الضغط على النظام.

فعلياً، يتبلور ائتلاف سنّي واسع يضم المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وقطر وباكستان، ويتعاون بعض هذه الدول أيضاً في أطُر عسكرية، وينسّق مصالحه لمنع عودة تعاظُم النفوذ الإيراني، وتوسيع التأثير في ساحات مركزية، مثل سورية ولبنان والبحر الأحمر.

يُعرب دبلوماسيون إسرائيليون كبار عن قلقهم من هذا الائتلاف الناشئ، على الرغم من أن بعض أعضائه يحافظ على علاقات وثيقة مع واشنطن، ويرى أن فرص التطبيع مع السعودية تتراجع؛ في الآونة الأخيرة، اعتمدت الرياض نهجاً أكثر انتقاداً وتشدداً إزاء إسرائيل، ولا سيما على خلفية الحرب في غزة وغياب التزام إسرائيلي بشأن إقامة دولة فلسطينية.

في الأسابيع الأخيرة، سُجّل خلاف علني نادر بين السعودية والإمارات العربية المتحدة بشأن التطورات في جنوب اليمن؛ وأبو ظبي، التي قادت مسار التطبيع مع إسرائيل في إطار اتفاقيات أبراهام، تجد نفسها اليوم في موقع أكثر تعقيداً داخل العالم العربي؛ إن ابتعاد السعودية عن إسرائيل يترك الإمارات في عزلة نسبية، ويضع الرياض في موقع اللاعب المركزي على الساحة السنّية.

على خلفية الحرب المستمرة في غزة والجمود على الساحة الفلسطينية والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، تصبح عملية اندماج إسرائيل في إطار إقليمي واسع أكثر تعقيداً؛ أمّا الإمارات، الشريك العربي الأبرز لإسرائيل، فتشعر بدرجة من العزلة داخل الفضاء العربي.

يشهد الشرق الأوسط تحوّلاً استراتيجياً عميقاً؛ إيران لا تزال لاعباً رئيسياً، لكنها لم تعُد القوة الوحيدة التي تُملي قواعد اللعبة؛ وفي المقابل، يُشكَّل محور سنّي جديد يسعى لبلورة نظام إقليمي مُحدَّث.

تحذّر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أنه إذا عملت السعودية وباكستان وتركيا بتنسيقٍ وثيق، فستحتاج إسرائيل إلى إعادة تقييم عقيدتها الأمنية وهامش حركتها الاستراتيجية، لأن كلّ تحرُّك إسرائيلي قد يكتسب معنى مختلفاً عندما يواجه ثلاث قوى سنّية كبرى تنسّق فيما بينها. وحتى لو لم يُعرَّف هذا التحالف رسمياً على أنه مُعادٍ لإسرائيل، فإن مجرد وجوده يضيّق المجالين الدبلوماسي والعسكري اللذين اعتادتهما إسرائيل.

يبرز دور باكستان بشكل خاص، باعتبارها دولة نووية قدمت ضمانات أمنية رسمية للسعودية، وهو ما يغيّر ميزان القوى الإقليمي؛ فبدلاً من الحاجة إلى التقارب مع إسرائيل ضمن إطار دفاعي في مواجهة إيران، تستطيع الرياض الاعتماد على منظومة قوة سنّية داخلية.هذا التطور يقلّص الحوافز السعودية للدفع بمسار التطبيع مع إسرائيل، وربما يعقّد العمليات الدبلوماسية التي بدأت بالتشكل خلال العام الماضي.

في موازاة ذلك، تضع هذه التطورات إسرائيل على مسار تصاعدي من التنافس مع تركيا، التي من المتوقع أن تؤدي دوراً قيادياً في البنية الإقليمية الجديدة. ويمكن أن تستغل أنقرة، المرتبطة بمحور الإخوان المسلمين، هذا التحالف لتعميق نفوذها في العالم السنّي، وعلى الساحة الفلسطينية، وبالتالي تقليص هامش مناورة إسرائيل أمام دول الخليج وتعميق الفجوة الاستراتيجية بين القدس وأنقرة.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة