دولي وعربي


اسرائيل: المشكلة في لبنان عميقة

الاثنين 20 نيسان 2026 - 0:05

تحت عنوان: "المشكلة في لبنان أعمق كثيراً من قدرة الاتفاق على حلّها"، كتب الكاتب الإسرائيلي إيال تسير كوهين مقالةفي قناة N12. جاء فيها:

إن وقف إطلاق النار المؤقت الذي أُعلن الليلة (الخميس - الجمعة) لم يهدّئ فعلياً سكان الشمال، ومن الصعب لومهم إلى حدٍّ كبير؛ فخوفهم لا ينبع فقط من الذكرى القريبة للحرب، ولا من الاستنزاف الطويل طوال أشهر المواجهة، بل من إدراكٍ أساسي، حتى لو لم يُصَغ دائماً بالكلمات، ومفاده بأن المشكلة في لبنان أعمق من أي تسوية موقتة.

لقد كتبتُ سابقاً أن الساحة اللبنانية لا تستجيب جيداً للحلول التكتيكية وحدها؛ أعود إلى هذه النقطة لأننا نرى مرة أُخرى أن الصعوبة ليست فقط في تحديد مسار الخط، ومَن ينسحب، وكم كيلومتراً، أو أي آلية رقابة ستُفعّل في الأسابيع القريبة؛ المشكلة هناك أعمق لأنها بنيوية أكثر، وبالتالي أكثر تهديداً.

بعد 40 عاماً من العمل في المنظومة الأمنية، تعلّمت أنه لا يجب التقليل من شأن الشعور بانعدام الأمن لدى السكان المدنيين، بصفته مجرد إحساس، فكثيراً ما يكون هذا الشعور قادراً على تشخيص واقع استراتيجي غير محلول. وبالضبط هذا هو الوضع في الشمال الآن؛ إن الخطأ الأساسي هو النظر إلى لبنان فقط من منظور عسكري، فالأمر لا يتعلق فقط بعدد منصات الإطلاق التي دُمّرت، أو أين يوجد عناصر قوة "الرضوان"، أو كم كيلومتراً ابتعدوا عن الحدود، المشكلة في لبنان ديموغرافية وجغرافية وسياسية ومدنية أيضاً. التهديد الذي سيعود إلى داخل المخازن الخاصة والبيوت في القرى.

طوال أعوام، شهد الجنوب اللبناني عملية متواصلة من "التشيّع" على خط المواجهة مع إسرائيل. لقد عززت الطائفة الشيعية قبضتها على منطقة الحدود، واشتدت هذه العملية بشكل خاص خلال سنوات "الربيع العربي"، وخلال الحرب ضد تنظيم داعش، كجزء من الاستراتيجيا الإقليمية لقاسم سليماني؛ وفي موازاة إضعاف السكان السّنة في مناطق حدودية عديدة وتهجيرهم، دخل الشيعة إلى مناطق مفصلية، بما في ذلك منطقة سورية - لبنان ومناطق الحدود.

إن دلالة هذا المسار بسيطة وقاسية في آنٍ معاً، وهي أن الجنوب اللبناني اليوم ليس مجرد منطقة يعمل فيها حزب الله، بل هو فضاء جرى فيه، على مدى الزمن، بناء بيئة حياة ودعم وإخفاء واحتضان تتيح له الحفاظ على قوته. ربما لا ينطبق ذلك بالقدر نفسه على كل مواطن وكل قرية، لكن مَن يرفض فهم الصلة الوثيقة بين البنية الديموغرافية للجنوب والبنية التحتية التي يستند إليها حزب الله، فإنه يرفض فهم عُمق المشكلة. وهذا هو بالضبط السبب في أن اتفاقات من هذا النوع لا تغيّر أسس الواقع. وفقاً للقانون الدولي، لا يمكن منع سكان الجنوب اللبناني من العودة إلى قراهم، والعالم لن يقبل خطوة كهذه. لكن المعنى العملي واضح: سيعود السكان، ومعهم ستعود أيضاً، وبالتدريج، الظروف التي تسمح بإعادة بناء التهديد.

لا حاجة إلى قواعد صواريخ كبيرة على السياج لإعادة الخطر إلى الشمال؛ يكفي أن تتحرك وسائل قتالية ضمن الحياة المدنية اليومية؛ يكفي أن يتحول مستودع خاص في قرية إلى مخزن طوارئ مرة أُخرى؛ يكفي أن ينقل شخص واحد، ويخزّن آخر، ويُخفي ثالث، ويُشغّل رابع. مَن الذي سيوقف ذلك في المدى الطويل؟ مَن سيراقب كل مستودع، وكل شاحنة، وكل بيت، وكل طريق ترابية؟ حتى لو وُجد قدر معيّن من حُسن النية لدى الجيش اللبناني، فلا توجد طريقة عملية لمنع عملية كهذه على مدى أعوام؛ لذلك، المشكلة في لبنان هي مشكلة وقت؛ عام، عامان، خمسة أعوام، والروتين يفعل فعله؛ التهديد يعود، وربما ليس بالشكل نفسه، وربما ليس بالحجم نفسه، لكنه يعود، وهذا بالضبط ما يفهمه سكان الشمال جيداً، حتى من دون استخدام مصطلحات استراتيجية.

ما لا يقلّ أهمية عن ذلك أن حزب الله يحتاج إلى هذه التهدئة، ليس فقط لإعادة التنظيم، وترميم البنية التحتية، والتسلح، بل يحتاج إليها أيضاً لكي نعود نحن، ونعيد الإعمار، ونبني من جديد، ونتعوّد مرة أُخرى على جمال الهدوء، وعلى البيت، وعلى الحياة اليومية، وعلى الشعور بالأمان؛ فمن وجهة نظره، هذا أيضاً جزء من المنطق: الانتظار حتى يمتلئ الشمال بالحياة مجدداً، ثم العودة إلى تقويضها. وهكذا يكون الثمن الذي يمكن أن يفرضه علينا أثقل، ليس فقط من حيث الضرر المادي، بل أيضاً من حيث الأثر النفسي والمعنوي، فالتهدئة تخدمه أيضاً في التحضير لضربة مستقبلية أشد، وهذا لا ينطبق فقط على إطلاق النار المباشر، بل أيضاً وربما بشكل أساسي على النيران غير المباشرة. ولإعادة تهديد كبير لإسرائيل، لا حاجة إلى انتشار كثيف مباشرةً على خط الحدود، بل إن الصواريخ والطائرات المسيّرة ووسائل النيران الأُخرى يمكن أن تعمل أيضاً من شمال نهر الليطاني، من مسافات تصل إلى عشرات الكيلومترات؛ لذلك، فإن مجرد الابتعاد عن الحدود، على الرغم من أهميته على المستوى التكتيكي، لا يُعتبر حلاً استراتيجياً.

إذا كان هناك درس واحد يجب أن يرافقنا منذ 7 أكتوبر، فهو أن المنطقة العازلة يمكن أن تؤخر التهديد، لكنها لا تستطيع تفكيكه، فمَن يريد أمناً طويل الأمد، عليه أن يعمل ضد القوة التي تُبنى في العمق. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتكاك المستمر على حدود إسرائيل يخدم أعداءها أحياناً؛ إذ يجذب انتباهنا إلى الحافة، بينما في العمق، يُعاد بناء الخطر الحقيقي. هذا ما يحدث في لبنان داخل دولة ضعيفة، مخترقة، وفي كثير من النواحي، أسيرة للقوة التي استولت عليها من الداخل. لا يجوز لإسرائيل أن تعتمد على مَن لا يملك القدرة، أو الإرادة.

من هنا، تنبع أيضاً الخلاصة الثانية: لا يجب التعويل على الجيش اللبناني كحلّ، فالاستعداد الذي تُبديه الحكومة اللبنانية اليوم أمر إيجابي، لكن يجب النظر إليه بصدق، لأنه ينبع بدرجة أكبر من الضعف والضغط واليأس، وليس من موقع قوة. لا تمتلك الحكومة اللبنانية قدرة حقيقية على نزع سلاح حزب الله في المدى الطويل، ولا يوجد يقين بأن الجيش اللبناني سيتمكن، أو يرغب في خوض مواجهة عميقة ومستمرة معه؛ علاوةً على ذلك، لا يجب الوقوع في الوهم المعاكس وتعزيز الجيش اللبناني بشكل مفرط؛ في الشرق الأوسط، لا تبقى الأسلحة دائماً في أيدي مَن حصل عليها؛ فالدول تنهار، والأنظمة تتغير، والجيوش تبدّل ولاءاتها، وما يُعزَّز اليوم باسم الاستقرار ربما يُوجَّه ضدنا غداً.

صحيح أن حزب الله ضعف كثيراً، وتلقّى ضربة قاسية، وتضرّر بُعده الاقتصادي؛ فصعوبات التمويل ودفع الرواتب مؤشر مهم إلى التآكل الداخلي. لكن الضعف لا يعني فقدان القدرة، فحتى لو كان متضرراً، فإنه لا يزال عدواً خطِراً يمتلك قدرات يمكن أن تُلحق ضرراً كبيراً بإسرائيل إذا أُتيحت له الفرصة لإعادة بناء نفسه. ولهذا تحديداً، يجب النظر إلى الفترة الحالية على أنها نافذة فرصة لمواصلة استنزافه: ضرب البنى التحتية ومسارات التهريب والتمويل والتسلح، والعلاقات بينه وبين إيران.

في نهاية المطاف، إذا كانت هذه هي صورة الوضع فعلاً، فالمحصلة هي أنه لا يوجد حلّ سحري في لبنان، وبالتالي لن يكون هناك خطوة واحدة تزيل التهديد؛ التحدي الحقيقي هو إدارة المخاطر في المدى الطويل، عبر مزيج من خطوات عديدة، يعتمد كلٌّ منها على الآخر.

على الصعيد العسكري، هذا يعني إقامة حيّز أمني واسع، مع وجودٍ ثابت ومتحرك للجيش الإسرائيلي، إلى جانب حملة متواصلة ضد بناء قوة حزب الله في العمق، من دون العودة إلى سياسة الاحتواء التي سادت في الأعوام السابقة. يجب عدم الانتظار حتى ينضج التهديد مجدداً، بل ضربه بشكل منهجي منذ مرحلة التشكّل.

على الصعيد السياسي، ينبغي لإسرائيل تعميق العلاقة بالحكومة اللبنانية ومحاولة الدفع بترتيبات عملية معها، لكن من دون أوهام؛ ليس انطلاقاً من الاعتقاد أنها ستحلّ المشكلة وحدها، بل لتمكينها من تعزيز قوتها سياسياً والاستفادة من الواقع الجديد. وفي موازاة ذلك، يجب إشراك الدول الأوروبية في الضغط على بيروت لتتحمّل مسؤولياتها داخل أراضيها.

 على الصعيدين الاقتصادي والقانوني، هناك حاجة إلى حملة أكثر شراسةً ضد أموال "الإرهاب"، وضد قنوات التمويل، وضد مؤسسات، مثل "القرض الحسن"، التي تمكّن حزب الله من الاستمرار وإعادة بناء نفسه وتعزيز قوته. من دون إلحاق ضررٍ مستمر بمصادر التمويل، فحتى الإنجازات العسكرية تتآكل بمرور الوقت.

علاوةً على هذا كله، يجب القول بصراحة إن الساحة اللبنانية لا تقف معتمدةً على نفسها، ففي كثير من النواحي، يمرّ التأثير في لبنان أيضاً عبر طهران؛ مَن يريد تقليص الخطر من الشمال، لا يمكنه الاكتفاء بما يحدث في بيروت، أو جنوب نهر الليطاني؛ للسيطرة على الساحة اللبنانية بشكل أفضل، يجب الاستمرار في استهداف مركز الثقل الإيراني الذي يموّل حزب الله ويوجّهه ويدعمه.

لا يوجد هنا حلّ كامل، وما يوجد هو سياسة أكثر جديةً لإدارة المخاطر: مزيج من الحضور العسكري، والضغط المستمر على بناء القوة، والتعزيز المدروس للمسار السياسي، وضرب اقتصادي وقانوني للآليات التي تُبقي حزب الله حياً؛ هذا لن يزيل المشكلة، لكنه يمكن أن يقلّصها ويؤخرها، ويمنعها من العودة مرة أُخرى إلى ذلك الواقع المألوف والخطِر.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة