دولي وعربي


إسرائيل: الصراع مع الحزب لم ينتهِ

السبت 28 شباط 2026 - 0:02

كتبت الكاتبة الإسرائيلية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أريئيلا رينغل هوفمان مقالة تحت عنوان: "الصراع مع حزب الله لم ينتهِ، وكذلك الحرب في غزة". جاء فيها:

قبل عقود، تسلّل مصطلحا "الحرب المنخفضة الشدة" و"المواجهة المحدودة" من الأوساط الأكاديمية إلى طاولات التخطيط العسكري، وحلّت محلّ الحروب القصيرة الأمد في إسرائيل، على غرار حرب سيناء [العدوان الثلاثي(1956)] وحرب الأيام الستة [حرب حزيران/يونيو(1967)]، صراعاتٌ ممتدة بلغت ذروتها في حرب لبنان الأولى (1982)، واستمرت نحو 18 عاماً؛ وحرب لبنان الثانية (2006)، التي تبيّن أن كل التصريحات عن الهدوء الذي جلبته كانت واهية، إذ لم تفعل سوى تغيير وجهها قبل أن تعود إلينا قبل نحو عامين؛ وسلسلة الانتفاضات الفلسطينية، الأولى في سنة 1987 والثانية التي اندلعت في أيلول/سبتمبر 2000، والتي ما زالت مستمرة فعلياً حتى اليوم، بأشكال متبدّلة، ومع فترات هدنة متقطعة؛ وطبعاً الصراع في غزة، الذي كان يحظى بتوصيف مُخفّف حتى حرب "السيوف الحديدية" في سنة 2023، بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر: "حملة"، مثل حملة "الرصاص المسبوك"، أو حملة "الجرف الصامد"، وهو مصطلح يُطلَق عادةً على أحداث عنيفة قصيرة الأمد.

تتميّز الحرب المنخفضة الشدة، ليس فقط بطول مدّتها، بل أيضاً بعدم التماثل في ميزان القوى بين الأطراف المتحاربة؛ الجيش الإسرائيلي في مواجهة عشرات الآلاف من مقاتلي حزب الله، أو عشرات الآلاف من مقاتلي "حماس"، وكذلك في المناطق [المحتلة]. وإذا شئنا يمكن توسيع التصنيف ليشمل أيضاً حروب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، بل إن هناك من يمدّه حتى حرب فيتنام في سبعينيات القرن الماضي. إن عدم التماثل هذا لا يخدم بالضرورة الطرف الأقوى، نظراً إلى خاصية أُخرى من خصائص الصراع المحدود تقضي بأن القتال لا يدور في ساحة المعركة فحسب، بل أيضاً على مستوى الوعي لدى الطرفين. وتتعلق هذه الخاصية بصلابة المجتمعات على الجانبين، وهي عُرضة ليس فقط لاستنزاف الدم المستمر، بل أيضاً لتوجيه الرأي، والحرب النفسية، والاستنزاف الجسدي والاقتصادي والنفسي.

إنه صراع لا يكون فيه التفوق العسكري بالضرورة العامل الحاسم، ولا تشكّل القدرات العملياتية ضمانة للنجاح. وبصيغة أُخرى: إن وجود جيش كبير، مجهّز ومدرّب، ليس ضمانة للنجاح في ساحة المعركة - ومرة أُخرى، انظروا إلى فيتنام، أو أفغانستان، أو العراق. علاوةً على ذلك، في صراع من هذا النوع، يُدار في مواجهة مجتمع مدني وداخله، لا يستطيع الطرف الأقوى دائماً أن يستغل جزءاً كبيراً من قدراته بصورة فعّالة. وهو أيضاً الطرف الذي سيجد صعوبة في تبرير إصابة السكان الأبرياء، وهي نتيجة ملازِمة لصراعٍ من هذا النوع، ويُضطر إلى التعامل مع سردية معقّدة، ويعمل في كثير من الأحيان في ظل خلاف مستمر على الرواية، حتى على المستوى الدولي؛ أمّا الحرب مع إيران، والتي بدأت حتى قبل عملية "شعب كالأسد"-  ولسوء حظنا-  فهي أيضاً تندرج ضمن هذه التعريفات، حتى وإن كانت حرباً بين دولتين.

يمكن الآن إضافة سِمة أُخرى إلى كل ذلك، حتى لو لم تنَل بعد المصادقة البحثية، وهي الانتقال من "الأمن الروتيني" - المصطلح المألوف منذ عقود- إلى أمن روتيني على حافة الحرب في ظل واقع من عدم اليقين الذي يزداد تفاقماً بمرور الوقت. وعلى الرغم من عظمة التضحيات الجسدية والنفسية التي أظهرها مقاتلو الجيش الإسرائيلي في جميع الجبهات، فإنه من الواضح لكل مواطن في دولة إسرائيل أن الصراع مع حزب الله لم ينتهِ، وأن الحرب في غزة لم تنتهِ. ليس فقط أنه لا يمكن وضع علامة "صح" على ادّعاء إنهائها بنصر مطلق، بل لا يمكن حتى وضع علامة على انتهائها أساساً؛ وفي الضفة الغربية، فإن التعريف المحبّب لدى صانعي القرار، أي "جزّ العشب"، لا يولّد بالتأكيد شعوراً بالنهاية. وللأسف، هذا هو الشعور أيضاً عشية الجولة المقبلة مع إيران.

هذا كله في وقت يتعمّق الشرخ في المجتمع الإسرائيلي أكثر فأكثر، في ظل فقدان ثقة جزء كبير من الجمهور بالكنيست والحكومة، ليس فقط بسبب الأداء حتى وقوع "المجزرة"، بل أيضاً اليوم، بدءاً من الصراع بشأن قانون التهرّب من الخدمة العسكرية الذي لا يغيب عن جدول الأعمال، مروراً بسلسلة طويلة من القوانين التي تعزّز مصالح الفئة التي ترفض تحمّل نصيبها من العبء، وهو ما يزيد في الإحباط، وصولاً إلى تقرير مراقب الدولة الذي نُشر للتو وكشف النقاب عن سلسلة إخفاقات مثيرة للغضب، ولا سيما في معالجة أوضاع الفئات السكانية المتضرّرة.

بعبارة أُخرى، يصعب القول، بل من الصعب جداً القول إن المجتمع المدني، على الرغم من قواه الإيجابية، ومن معدلات التطوع التي لا تُصدّق، فإنه في أفضل حالاته في كل ما يتعلق بالأمن الروتيني على أعتاب الحرب.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة