الجمعه 6 كانون الأول 2024 - 0:03
خاص (أيوب)
هو أحمد حسين الشرع. والده قومي عربي، وخبير اقتصادي في مجال النفط. اصطدم والده مع نظام حزب البعث السوري، فسافر إلى السعودية، وعمل هناك. وفي الرياض وُلد ابنه أحمد في العام الذي وقعت فيه مجزرة حماة عام 1982. وسيكون أحمد مثل والده في جزئية العمل السياسي، لكن باتجاه إسلامي جهادي. عُرف منذ عام 2012 مع تأسيسه "جبهة النصرة لأهل الشام"، باسمه الحركي، أبي محمد الجولاني، (باعتبار أنّ أصل عائلته من الجولان)، لكن الناس نسيت أنّ كلمة "الفاتح" كانت تسبق هذا الاسم. سقطت الكلمة مع الوقت، لكنه الآن بعد قيامه بالدور الرئيسي في قيادة الحرب الخاطفة على النظام السوري، وفتح حلب وحماة في غضون أسبوع فقط، فقد استحق لقب الفاتح، فعلاً، على الرغم من كثرة خصوماته مع الفصائل الأخرى، بل ازدياد النقمة الشعبية عليه، بعد الكلام عن محاولة انقلاب عليه، من أقرب قادة "هيئة تحرير الشام" في شباط الماضي، واعتقاله مئات من القادة والكوادر من تنظيمه، وسريان الأنباء عن ممارسة التعذيب في السجون والمعتقلات التابعة للهيئة، وانطلاق حراك شعبي يطالبه بالتنحي. كانت تلك أسوأ اللحظات في مسيرته كقائد أقوى تنظيم سوري مسلّح. وربما تكون توازي في خطورتها لحظة انفكاكه من تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" عام 2013، مع أنه أسس جبهة النصرة، بدعم من البغدادي نفسه، ثم لحظة انفكاكه من تنظيم القاعدة عام 2016، وكان بايع التنظيم الجهادي الأقوى أممياً قبل ثلاث سنوات للاستقواء على البغدادي. غيّر اسم جبهة النصرة، إلى جبهة فتح الشام، والتي ضمّت فصائل سورية أخرى، قبل تحلّلها عقب خسارة معركة حلب ضد النظام في العام نفسه. وفي العام التالي، عقد الجولاني تحالفات جديدة، سمحت بتشكيل جماعة أخرى، هي "هيئة تحرير الشام"، لكن مسيرة التجمع الجديد، لم تسلم من صدامات مع حلفاء الأمس، كما مع فصائل كان يرغب بانضمامها إليه، لعلّه ينجح أخيراً، بتغيير الاسم، وتوسيع التحالفات، في التخلص من وصمة الإرهاب.
كان يحلم منذ وعيه كشاب متحمّس للجهاد، بأن يكون قائداً، ولا أقلّ من ذلك. سافر إلى العراق إبان الغزو الأميركي له عام 2003، لمقاتلة المحتلين. لكنه أمضى خمس سنوات في السجون الأميركية، وفيها رسّخ علاقاته بالقادة المستقبليين لتنظيم دولة العراق الإسلامية. يعرف استغلال الفرص عندما يراها؛ وما إن وصل قطار الربيع العربي إلى سوريا عام 2011، حتى أقنع البغدادي بتشكيل جماعة جهادية، هي جبهة النصرة، لكن دون الارتباط علناً بالقاعدة أو "الدولة الإسلامية".
برزت فيه صفات القيادة مبكراً، فهو سافر إلى العراق وعمره 21، ودخل سوريا قائد جماعة جهادية، وعمره 29. وانشقّ عن البغدادي بعد عامين. واستطاع قيادة معركة تحرير سوريا، بعد 13 سنة من قيام الثورة.
من أبرز صفات المرشّح للقيادة، أنه لا يرضى لنفسه أن يكون الرجل الثاني، وأنه مستعدّ لفعل أيّ شيء، لفرض سيطرته على الآخرين. قاتل عدة فصائل سورية، تحت عناوين مختلفة، منها جمع الكلمة لقتال النظام. وبهذا المعنى، قضى على عشرات الفصائل الصغيرة والمتوسطة، واستولى على سلاحها. لم يُخفِ الجولاني، تخطيطه لإقامة إمارة عام 2014 في المناطق المحرّرة آنذاك. لكن تصنيفه والجبهة أميركياً بالإرهاب، جعلت من الصعب عليه عقد تحالفات مستقرة مع الفصائل السورية، وكان تحميله المسؤولية بشكل دائم، عن ابتعاد الدول العربية والغربية عن الثورة. ولولا الدور الحاسم لجبهة النصرة بين عامي 2012 و2014، في ميادين القتال مع النظام، لتخلّى عنه حلفاؤه المؤقتون في وقت مبكر. لكنهم حاولوا القضاء لاحقاً على الجبهة في أكثر من موقعة دامية، وذلك بعد تغير موازين القوى في سوريا، لأكثر من عامل؛ استفحال قوة داعش ابتداء من عام 2013، والتدخل الروسي إلى جانب النظام منذ عام 2015، والنكسات العسكرية المتتالية عندما بدأ النظام يقضم من أراضي سوريا تدريجياً، حتى بات يوصف بأنه عميل، تارة لإيران وروسيا، وأحياناً للنظام السوري، وكثيراً لتركيا.
المدهش في سيرة أحمد الشرع، أنه استمال في السابق، قادة فصائل قاتلها بضراوة، وكانوا يُكنّون له عداوة شديدة. وفي المعركة الأخيرة، فاجأ ألدّ خصومه من الفصائل والناشطين والمنشقين عن جماعته، بأنه جهّز للمعركة ما لا يتوقعه أحد، وحقّق لهم ما ظنّوه مستحيلاً. فهل كان يُخفي السرّ عنهم، أم كانوا يمثّلون دور السلطة والمعارضة؟ ما هو مؤكد أنّ الجولاني، الذي خلع القناع الأخير، وهو لقبه، فصار يستعمل اسمه الحقيقي، بعد نزع اللثام عن وجهه، والتخلّي عن المنهج الجهادي المتشدّد، وخلع "داعش"، ثم الانخلاع عن "القاعدة"، أنه مدرسة في الدهاء السياسي والحنكة العسكرية.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



