السبت 4 تموز 2026 - 0:09
خاص (أيوب)
لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان يومي الخميس والجمعة الماضيين، لتكون أقل من كونها مميزة واستثنائية بكل المعايير. فالشيباني وهو "دينامو" لا يكلّ ولا يملّ، ودوره أساسي في رسم صورة سوريا الجديدة في العالم، يأتي إلى لبنان، ويلتقي مسؤولي الطوائف الرئيسية، ويخصّ رجال الدين من الموارنة والسُنة بزيارات خاصة، ويمنح طرابلس الشام لفتة خاصة بمشاركة أهلها صلاة الجمعة في مسجد السلام، الذي تعرّض لتفجير بشع بتخطيط الاستخبارات السورية السابقة، وتنفيذ عملائها في لبنان. لكن ربما يكون اللقاء الأكثر إثارة، هو الذي جمعه برئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو الناطق الرسمي باسم شيعة لبنان، والمفوّض من الحزب بقيادة المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل أواخر عام 2024، وهو المؤتمن على ترجمة الموقف الحالي من الاتفاق الإطاري في واشنطن بين لبنان وإسرائيل. وفوق ذلك كله، كلام الشيباني العابق بالانفتاح والبراغماتية تجاه أي لقاء ممكن مع الحزب نفسه إن توافرت المصلحة لهذا اللقاء، ما جعل الزيارة حبلى بالمفاجآت المثيرة على كل صعيد.
إلا أن أهمية الزيارة مضاعفة في توقيتها خاصة بعد سلسلة التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن استعداد الرئيس السوري أحمد الشرع للتدخل في لبنان، وقتال الحزب، كما فعل الرئيس السابق حافظ الأسد عندما دخل إلى لبنان عام 1976، لقتال منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها في الحركة الوطنية اللبنانية. وهنا ترتسم علامات الاستفهام عما دار بين الشيباني وبري، وإذا ما كان وزير الخارجية السوري قد أوصل مبادرة محددة من الرئيس الشرع، الذي صرح في وقت سابق بأنه لا بد من التعامل مع الأزمة الحالية في لبنان بسبب سلاح الحزب، بأفكار من خارج الصندوق. وما هي تلك الأفكار؟ وهل هي التي أشاعت نوعاً من الارتياح في الأوساط السياسية اللبنانية؟
إنها العودة السورية إلى لبنان، بطريقة أخرى، وأسلوب مختلف تماماً، على قاعدة المصالح المشتركة، لا الوصاية الأمنية والعسكرية والسياسية. وربما هذا ما يدفع إلى اعتبار التفجير الغادر في دمشق خلف قصر العدل، محاولة من الجهة الفاعلة، أياً تكن، لزعزعة الصورة، وإثارة القلق في الداخل والخارج، من أن النظام غير مستقر، ولا يمكن تصدير المبادرات السياسية إلى لبنان الشقيق، في حين أنه لا يملك زمام الأمور في سوريا نفسها.
وهنا نصل إلى الاحتمالات الأرجح حتى الآن عن الجهة الفاعلة، إلى أن تنكشف المعلومات الكاملة. فالتفجير حدث بواسطة عبوة صغيرة، محشوة بالمعادن، لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا. ويمكن أن يتم التفجير في أي وقت. فلو كان تنظيم داعش من يقف وراء المحاولة، من أجل القيام بعملية لاحقة لاغتيال شخصية أمنية رفيعة المستوى في النظام الحالي، فلربما يكون هو الفاعل، مع أنه مشتهر بأسلوب التفجيرات الانتحارية. أما إن كان التوقيت هو الأساس؛ إذ انفجرت العبوة فيما كان الشيباني يقوم بزياراته إلى المسؤولين اللبنانيين، فعندئذ يكون الهدف هو اغتيال أي دور جديد لسوريا الجديدة قبل أن يبدأ. وهنا تتوجه الأنظار، إلى من يسيئه زيارة الشيباني إلى لبنان، وبالأخص فتح قناة حوار غير مباشر مع حزب الله، من خارج إطار ولاية الفقيه في طهران، باعتبار أن الرئيس بري هو تلك القناة في أي مفاوضات لا يستطيع الحزب القيام بها علناً. أما أدوات التنفيذ فمتوافرة بكثرة، وثمة جيش نائم من العسكر والأمن التابعين للنظام البائد، لا خلايا نائمة وحسب. لا نعرف بالضبط ما موقف الحزب من الزيارة الإيجابية لوزير خارجية سوريا، وطمأنة اللبنانيين كافة لا سيما الشيعة منهم أن أحمد الشرع ليس بوارد الاستجابة لطلب الرئيس الأميركي كي يغرق في المستنقع اللبناني، من أجل إراحة إسرائيل التي تحتل الجنوب السوري وتتمدد كل يوم. لكن ثمة ثغرة صغيرة قد فُتحت في الجدار السميك للتهدئة على الأقل، وكف الأذى على جانبي الحدود.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



