الأحد 7 حزيران 2026 - 0:00
خاص (أيوب)
ما إن صدر البيان من واشنطن عن اتفاق المبادئ بين لبنان وإسرائيل، ورفض قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني إسماعيل قآني لبنود البيان، ومن أبرزها بل أخطرها إدانة دور إيران في لبنان والمنطقة، وتثبيت مبدأ نزع سلاح الحزب في كل لبنان ابتداء من جنوب الليطاني، إضافة إلى البدء بمرحلة انسحاب إسرائيلي تجريبي من المناطق الجنوبية المحتلة مقابل قيام الجيش اللبناني بنزع سلاح الحزب تدريجياً من كل منطقة يجري تحريرها بالتفاوض، حتى صدر رفض الحزب على لسان أمينه العام نعيم قاسم، وهو موقف مفهوم ومتوقع، بالنظر إلى تمسك الحزب بسلاحه تحت عنوان المقاومة أو "الدفاع عن لبنان وشعبه" كما يقول.
لكن المستغرب صدور بيان عن الجماعة الإسلامية، بالمعنى نفسه، مع أن الجماعة غير مشتركة بحرب إسناد إيران، أو عملية "العصف المأكول". وهذا البيان فاجأ الرأي العام السني، حتى إن كثيراً من المتابعين شككوا أصلاً بصدور بيان كهذا؛ أولاً لأن التوقيت مستهجن، وثانياً، لأن الذي روّجته بقوة مواقع تابعة للحزب نشطت في نشر البيان في منصاتها الإعلامية، التلفزيونية والإلكترونية على حد سواء، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، موقع جريدة "العهد"، وموقع "قناة المنار"، في حين أن مواقع أخرى، دسّت في العنوان أن الجماعة فرع الإخوان المسلمين في لبنان، كما أن الموقع الإلكتروني للجماعة، ليس مصمماً كما يبدو لتصفح الهواتف الذكية، ومن الصعب العثور على البيان لأول وهلة، فكأنه مدسوس على الجماعة؛ ولا سيما إذ تتخذ موقفاً متطابقاً مع قآني والحزب، في حين أن المرجعية السياسية، أي رئيس الحكومة نواف سلام، والمرجعية الدينية، أي مفتي الجمهورية، تعوّل على المسار الدبلوماسي لوقف إبادة الجنوب، بشراً وحجراً.
وحتى لو كانت صيغة بيان الجماعة تكتنفها دبلوماسية مبطنة، ولهجة أقل حدة من موقف الحزب، إلا أنها محاولة مشبوهة لمنح الحزب غطاء سنياً هو في أشد الحاجة إليه في هذه المرحلة الحرجة. فنجاح المفاوضات في تحرير جنوب لبنان تدريجياً، ولو ببطء، وبشرط حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب دستوري بامتياز، يعني في أقل تقدير، نهاية التنظيم المسلح، وهو أمر ترفضه إيران بشدة.
أما تبني المطالب المفرطة في تفاؤلها للحزب وإيران، وكأنهما في موقع فرض الشروط على العدو، فهو نوع من السذاجة إن لم نقل أكثر من ذلك. وفيما يلي نص البيان:
“بعد مرور ثلاثة أشهر على الحرب الإسرائيلية العدوانية على لبنان، وما خلّفته من دمار واسع وتهجير قسري وجرائم اغتيال واستهداف للمدنيين والبنى التحتية، وبعد البيان الصادر اليوم من واشنطن، والذي قد يشكّل مدخلاً لوقف آلة الحرب الإسرائيلية، إلا أنه ما زال يكتنفه الكثير من الغموض، وتعتريه عبارات فضفاضة وملتبسة تحتمل تفسيرات متعددة، بما يثير مخاوف مشروعة من الالتفاف على الحقوق الوطنية اللبنانية. وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية، يهمّنا في الجماعة الإسلامية التأكيد على ما يلي: أولاً: إن أي تفاهم أو اتفاق لا ينصّ بشكل واضح وصريح على وقف شامل وفوري لإطلاق النار، ووقف جميع الاعتداءات والانتهاكات الجوية والبرية والبحرية، ووقف سياسة الاغتيالات، والانسحاب الكامل وغير المشروط من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، لا يمكن اعتباره تسوية عادلة أو مستدامة، بل يبقى اتفاقاً ناقصاً يوفّر للعدو فرصة جديدة للمناورة وكسب الوقت واستكمال مخططاته العدوانية.
ثانياً: ترفض الجماعة الإسلامية أي صيغة أو تفاهم يؤدي إلى إنشاء مناطق عازلة أو ترتيبات أمنية تنتقص من السيادة اللبنانية، أو تضع أي جزء من الأراضي اللبنانية تحت وصاية مباشرة أو غير مباشرة، أو تحوّل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وتؤكد أن سيادة الدولة على كامل أراضيها، وحرية قرارها الوطني، حقّان ثابتان غير قابلين للمساومة أو الانتقاص تحت أي ذريعة أو عنوان.
ثالثاً: تدعو الجماعة الحكومة اللبنانية إلى التعامل مع هذه المرحلة بأعلى درجات المسؤولية والشفافية، وإطلاع اللبنانيين على حقيقة ما يجري التفاوض حوله، ورفض أي بند يمسّ السيادة الوطنية، أو يهدد السلم الأهلي، أو يمنح العدو الإسرائيلي مكاسب أمنية أو سياسية على حساب لبنان وحقوق شعبه.
رابعاً: نؤكد دعمنا الكامل للجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة والضامنة للوحدة الوطنية والسلم الأهلي، وندعو إلى تعزيز قدراته العسكرية واللوجستية وتمكينه من القيام بدوره الوطني على كامل الأراضي اللبنانية. كما نرفض أي محاولة لزجّه في ترتيبات أو تفاهمات أمنية ملتبسة قد يستغلها العدو لتحقيق أهدافه أو إثارة الانقسامات بين اللبنانيين.
خامساً: لقد أكدنا مراراً أن معالجة القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها ملف السلاح، لا تكون عبر الضغوط الخارجية أو الإملاءات الدولية، بل من خلال حوار وطني جامع ومسؤول يفضي إلى استراتيجية دفاعية وطنية تحمي لبنان، وتصون سيادته، وتحفظ ثرواته، وتؤمّن لشعبه الحق في الأمن والاستقرار والكرامة.
سادساً: نحذّر من أي مشاريع أو تفاهمات تُراد للبنان تحت عناوين براقة، فيما هدفها الحقيقي إضعافه وعزله عن محيطه واستفراده سياسياً وأمنياً، بما يمنح العدو فرصة لإعادة ترتيب أوراقه والتحضير لعدوان جديد في الوقت الذي يناسبه. سابعاً: إن معاناة النازحين والمهجّرين يجب أن تكون في صدارة أولويات الدولة اللبنانية ومؤسساتها. وعليه، فإننا ندعو إلى توفير كل مستلزمات الإيواء والإغاثة والرعاية الاجتماعية بما يحفظ كرامة المواطنين الذين اقتُلِعوا من بيوتهم بفعل العدوان. كما نطالب وزارة الشؤون الاجتماعية والجهات المعنية بتطوير أدائها وتعزيز إمكاناتها البشرية والمالية بما يتناسب مع حجم الأزمة وتداعياتها. ونؤكد في الوقت نفسه رفض أي استغلال *لأزمة النزوح* لإثارة التوترات أو العبث بالسلم الأهلي.
ثامناً: نهيب بجميع اللبنانيين التمسك بوحدتهم الوطنية، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ورفض كل أشكال التحريض والفتنة والانقسام، وإفشال محاولات العدو الرامية إلى ضرب الاستقرار الداخلي وتمزيق النسيج الوطني خدمةً لمشاريعه وأجنداته.
إن لبنان الذي واجه العدوان بصمود شعبه وتضحيات أبنائه ووحدة مواقفه الوطنية، قادر على تجاوز هذه المرحلة الدقيقة، شرط التمسك بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها السيادة الكاملة على الأرض والقرار، ورفض أي انتقاص من حقوقه الوطنية المشروعة. حمى الله لبنان، وحفظ شعبه، وأفشل كيد المعتدين والمتربصين به".
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



