الاثنين 31 آب 2026 - 0:00
كتبت (تالا غمراوي)
لا تقتصر تداعيات انتهاء مهمة قوات "اليونيفيل" في لبنان (31 كانون الأول 2026) على الفراغ الأمني الذي قد تتركه في الجنوب، بل تتجاوز ذلك إلى خسارة اقتصادية مباشرة ستصيب مئات العائلات اللبنانية وقطاعات واسعة في منطقة جنوب الليطاني وصور والناقورة ومرجعيون، بعدما تحوّل وجود القوة الدولية على مدى عقود إلى جزء من الدورة الاقتصادية المحلية.
الأرقام تكشف أن الحديث لا يدور فقط عن إنفاق بضعة آلاف من الجنود في المطاعم والمتاجر، بل عن مئات الوظائف اللبنانية وعقود ومشتريات ووقود وخدمات وإيجارات تدرّ ملايين الدولارات سنوياً.
نحو 600 وظيفة لبنانية
أول المتضررين سيكونون اللبنانيين العاملين مباشرة مع "اليونيفيل".
بحسب موازنة القوة للفترة 2025-2026، هناك594 وظيفة وطنية موزعة بين 46 وظيفة ضمن فئة الموظفين الوطنيين المهنيين و548 وظيفة ضمن فئة الخدمات العامة الوطنية.لا يعني ذلك بالضرورة أنّ جميع الوظائف الـ594 مشغولة في اللحظة نفسها، إذ أظهرت أرقام سابقة أن عدد الموظفين الوطنيين الموجودين فعلياً على رأس عملهم بلغ 547 موظفاً في حزيران 2024.
لا تنشر الأمم المتحدة راتباً موحداً للموظفين اللبنانيين، لأن الأجور تختلف باختلاف الوظيفة والدرجة والأقدمية. كما أن الأرقام المتداولة إعلامياً عن رواتب تتراوح بين 2500 وأكثر من 5000 دولار لبعض الوظائف لا يمكن تعميمها على جميع العاملين.إلا أن أهمية هذه الوظائف تكمن في أنها تشكل مداخيل ثابتة لعائلات لبنانية، يذهب جزء كبير منها مجدداً إلى الاستهلاك في الداخل، وخصوصاً في الجنوب.وبالتالي، فإن فقدان مئات الوظائف لا يعني فقط خسارة الموظفين رواتبهم، بل خسارة المتاجر والمدارس والمطاعم ومقدمي الخدمات جزءاً من الأموال التي كانت تضخها هذه العائلات في الاقتصاد المحلي.
100 مليون دولار في الاقتصاد اللبناني؟
الأرقام التاريخية التي نشرتها "اليونيفيل" نفسها تعطي صورة أوضح عن حجم هذا الاقتصاد.
ففي دراسة سابقة عن أثرها الاقتصادي، قدّرت القوة أن نحو 100 مليون دولار سنوياً من موازنتها في تلك المرحلة كانت تعود بصورة مباشرة إلى الاقتصاد اللبناني.وكان من بينها نحو 20مليون دولار سنوياً لشراء الوقود.
في مؤشر آخر، أعلنت القوة أنها ضخّت أكثر من 178 مليون دولار في الاقتصاد اللبناني خلال ثلاث سنوات عبر الرواتب والتقاعد وشراء السلع والخدمات، أي بمعدل يقارب 59 مليون دولار سنوياً.
لا تظهر كل الأموال التي تدخل الاقتصاد اللبناني في حسابات الموازنة.فحتى 19 آب 2026، كان في "اليونيفيل" نحو 7462 جندياً من 46 دولة.هؤلاء يشكلون سوقاً استهلاكية بحد ذاتها. فخلال فترات خروجهم من القواعد، ينفق الجنود والموظفون على الطعام والمقاهي والمتاجر وسيارات الأجرة والخدمات والمنتجات المحلية.
مع رحيلهم، لا تخسر المنطقة مجرد وجود عسكري دولي، بل تفقد آلاف المستهلكين الذين يمتلكون قدرة شرائية بالدولار.وهذا التأثير سيكون محسوساً بصورة خاصة في صور والناقورة والقرى القريبة من مواقع انتشار القوة.
ماذا عن الشقق والإيجارات؟
القطاع العقاري هو أحد المستفيدين تاريخياً من وجود القوة الدولية.
فقد وثقت "اليونيفيل" نفسها أن الطلب على السكن من موظفيها المدنيين انعكس على سوق الإيجارات في صور، كما استفادت الفنادق والمؤسسات السياحية من حركة الموظفين والزوار.
لكن المؤكد أن خروج الموظفين الدوليين سيعني انخفاض الطلب على شقق كانت تُؤجّر بالدولار، وبالتالي خسارة أصحاب العقارات مداخيل منتظمة، إضافة إلى احتمال تراجع أسعار الإيجارات في بعض المناطق.
هناك أيضاً اقتصاد يصعب قياسه بالأرقام الرسمية.فالمطعم الذي يستقبل جنوداً دوليين، والسوبرماركت الذي يبيع لهم، وصاحب سيارة الأجرة، والفندق، ومؤسسة التنظيف والصيانة، وصولاً إلى المورد الصغير الذي يقدم خدمات لإحدى الشركات المتعاقدة مع القوة، جميعهم جزء من سلسلة اقتصادية مرتبطة بـ"اليونيفيل". وبالتالي، فإن كل دولار تدفعه القوة أو أحد موظفيها يمكن أن ينتقل لاحقاً بين أكثر من مؤسسة وعائلة لبنانية.هنا تكمن أهمية الأثر غير المباشر الذي يجعل الخسارة الفعلية أكبر من مجرد قيمة رواتب الموظفين اللبنانيين.
فلجزء الأكبر من النشاط المرتبط بـ"اليونيفيل" موجود في جنوب لبنان، أي في منطقة تعرضت أصلاً لخسائر هائلة نتيجة الحرب والدمار وتراجع الاستثمار والنشاط الزراعي والتجاري.وبالتالي، ستأتي خسارة الوظائف والعقود والزبائن والإيجارات في توقيت اقتصادي بالغ الصعوبة.
فاتورة الرحيل
لا يمكن حتى الآن تحديد فاتورة رحيل "اليونيفيل" برقم واحد دقيق، لعدم وجود بيانات حديثة منشورة تجمع رواتب اللبنانيين والعقود المحلية والإيجارات والإنفاق الشخصي للجنود والموظفين.لكن المؤشرات المتاحة تسمح برسم صورة واضحة:نحو 550 إلى 600 وظيفة لبنانية مباشرة، وآلاف الجنود الذين ينفقون في السوق، وعقود ومشتريات بعشرات ملايين الدولارات تاريخياً، إضافة إلى سوق للإيجارات والمطاعم والفنادق والنقل والخدمات.
وبناء على الأرقام التاريخية المنشورة من "اليونيفيل"، يمكن القول بحذر إن الاقتصاد اللبناني، وخصوصاً اقتصاد الجنوب، معرض لفقدان تدفقات مالية مباشرة وغير مباشرة بعشرات ملايين الدولارات سنوياً مع انتهاء المهمة، فيما أظهرت بعض السنوات السابقة أن حجم الاستفادة الاقتصادية المباشرة وصل إلى حدود 100 مليون دولار.
لذلك، فإن السؤال عن اليوم التالي لـ"اليونيفيل" لا يتعلق فقط بمن سيملأ مواقعها العسكرية، بل أيضاً بمن سيملأ الفراغ الاقتصادي الذي ستتركه وراءها.
فالناقورة وصور وقرى الجنوب لن تفقد فقط آلاف الجنود الدوليين، بل وظائف ورواتب وعقوداً ومستأجرين وزبائن ودولارات كانت تدخل إلى دورة اقتصادية محلية طوال سنوات.
هنا تصبح مهمة الدولة مزدوجة: ملء الفراغ الأمني من جهة، ووضع خطة اقتصادية لاستيعاب مئات اللبنانيين الذين قد يفقدون وظائفهم وتعويض النشاط الذي سيختفي تدريجياً مع رحيل القوة الدولية من جهة أخرى.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



