مجلة تكوين


في النشأة الأوروبية للمسألة اليهودية

الخميس 2 نيسان 2026 - 0:12

كتب (د. إدريس الكنبوري)* 

كشف العدوان الصهيوني على غزة الذي بدأ في شهر أكتوبر 2023 عن شبكة من المفاهيم والمصطلحات التي انتشرت في وسائل الإعلام الغربية وعلى ألسنة المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين والأوروبيين وعدد من المفكرين والمثقفين في الغرب، من مثل: اللاسامية، وإبادة اليهود، والمحرقة، أو الهولوكوست (Holocaust)، وكراهية اليهود، والقضاء على الجنس اليهودي؛ حتى إن الرئيس الأميركي السابق جو بايدن قال في خطابه خلال الأيام الأولى لحرب غزة إن المقاومة الفلسطينية "تريد محو الوجود اليهودي"، بينما وصف الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون عمل المقاومة بأنه "محرقة نازية ضد اليهود". ولم يقتصر الأمر على وسائل الإعلام الغربية أو المسؤولين السياسيين الغربيين، بل طال فلاسفة أوروبيين لهم مكانتهم في الحقل الثقافي والفلسفي الغربي، وعلى رأس هؤلاء الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس والذي كان يعدّ آخر ما بقي من مدرسة فرانكفورت النقدية، إذ وقّع على بيان رفقة ثلاثة مفكرين ألمان آخرين يؤيد فيه دولة إسرائيل ويصف ما تقوم به المقاومة بـ"المذبحة". 

هذه الشبكة المفاهيمية التي جرى استعمالها بكثرة وعلى نطاق واسع في الخطاب الإعلامي والسياسي والثقافي في الغرب إبان حرب غزة أبانت عن وجود محاولة في العقل الغربي لتوطين المفاهيم التي نشأت ضمن سياق التجربة التاريخية الأوروبية في العقل العربي والإسلامي، كما أبانت عن رغبة سيكولوجية في الوعي الغربي في التحلل من المسؤولية التاريخية عما يسمى في الكتابات التاريخية الغربية بـ"المسألة اليهودية" عبر إلقاء مسؤوليتها على العرب والمسلمين، كما لو أنه يريد التخلص من جمرة حارقة برميها على الآخرين.

في أصل "المسألة اليهودية"

يمكن تعريف "المسألة اليهودية" أو "المشكلة اليهودية" بأنها المجال البحثي الذي يدرس الوجود اليهودي في المجتمعات الأوروبية والمشكلات التي كان اليهود يطرحونها على هذه المجتمعات خلال القرون الماضية، على الأصعدة الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وإشكالية اندماجهم في هذه المجتمعات، وقضية التعايش مع الأوروبيين المسيحيين، وطبيعة حياة اليهودية الانعزالية داخل المعازل السكنية أو الغيتوهات على هوامش المدن الأوروبية.  

ويعود أصل المسألة اليهودية إلى العصور الوسطى الأوروبية؛ ففي القرن الثالث عشر انتشرت في بريطانيا ثم في عموم أوروبا أسطورة تقول بأن هناك شاهداً على صلب المسيح لا يزال حياً، ويعيش في بريطانيا، يدعى "كارطافيلوس" Cartaphilus، وإن هذا الشخص عندما كان المسيح يساق إلى الخشبة لصلبه اقترب منه ودفعه من ظهره وصرخ فيه: "أسرع، لماذا تسير ببطء؟"، فرد عليه المسيح: "أنا سأذهب، ولكنك ستظل تنتظر عودتي". ومن هذه القصة الخرافية ظهرت أسطورة "اليهودي التائه" التي رافقت اليهود في أوروبا طيلة القرون التالية. 

ولكن إذا كانت المسألة اليهودية قد ظهرت في العصور الوسطى فإن خلفياتها الدينية والتاريخية تعود إلى حقبة صلب المسيح الإنجيلي، عندما اتهم المسيحيون اليهودَ بكونهم مسؤولين عن تلك الجناية، وظلت تلك الجناية تعيش في نفوس المسيحيين زمناً طويلاً، وبسببها انتشر العداء ضد اليهود في أوروبا المسيحية وظهرت نزعة اللاسامية. وقد عكست كتابات علماء الكنيسة الأوائل، مثل القديس أوغسطين هذه الكراهية لليهود بسبب اتهامهم بقتل إله النصارى، إذ كتب أوغسطين عام 427 بأن اليهود "هم قتلة السيد المسيح، لأنهم رفضوا الإيمان به".

والواقع أن المسيحيين كانوا يجدون في التوراة اليهودية ما يدينهم، وليس في الإنجيل المسيحي فحسب، فقد ورد في سفر الخروج من العهد القديم في الإصحاح رقم 32: "وقال الرب لموسى: رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة"، أي عنيد لا ينصت، ومثل هذه الفقرات الكثيرة المتناثرة في العهد القديم كانت تثير جدالات بين المسيحيين واليهود حول تأويلها؛ ولعل هذا بالمناسبة ما جعل العلماء اليهود منذ وقت مبكر أسرع إلى إنشاء مدرسة تأويلية ترتكز على الهيرمينوطيقا (التأويل)، والتفسير الرمزي للنصوص الدينية. 

خلال العهد الروماني، عندما اعتمد الإمبراطور المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية، أصبح اليهود يمثّلون الديانة المحرّفة مقارنة بالمسيحية، فكانوا يتعرضون للاضطهاد. وفي الوقت الذي بدأت فيه الكنيسة في القرن الثالث عشر تكافح ضد تسرب الفلسفة اليونانية التي كانت متهمة بالإلحاد واعتماد العقل لتحصين المسيحية من المذاهب الدخيلة، ظهر الاهتمام مجدداً بالديانة اليهودية وما تحمله كتبها من انحرافات أو طعن في النصارى، فبدأ رجال الدين في تعقب مضامين التلمود بحثاً عما يدين اليهود، وإذاك انطلقت موجة جديدة من التنكيل بهم. وقد حاول اليهود في البداية الدفاع عن التلمود أمام الإمبراطور الروماني فريديريك الثاني، وتبرئته من أي تهمة بالإساءة إلى المسيح والنصارى، غير أن أحد كبار رجال الديانة اليهودية الذي اعتنق المسيحية وأصبح راهباً من الطائفة الدومينيكانية، ويدعى نيكولا دونان، شرح للبابا غريغوار العاشر أن التلمود "كتاب غير أخلاقي ومهين للمسيحيين"، فوجه البابا رسائل إلى ملوك إنجلترا وفرنسا وقشتالة وأراغون يطلب فيها منهم فتح تحقيق في الأمر، وعندما تم التحقق من أقوال اليهودي المنشق بدأت ملاحقة اليهود وحرق جميع نسخ التلمود الموجودة بحوزتهم. 

ولم يكن اليهود أسعد حالاً مع حركة الإصلاح البروتستانتي في ألمانيا في القرن السادس عشر، ذلك أنهم تصدوا لكل دعاوى الإصلاح الديني في اليهودية التي دعيت بالهاسكالا، وحافظوا على حياة العزلة والانغلاق داخل الغيتوات، وحاول مارتن لوثر كسبهم إلى صف الإصلاح الديني ومغازلتهم بالأصل اليهودي للمسيح الذي يتبعه المسيحيون، وعندما فشل في محاولاته انقلب عليهم وألف كتابه الشهير "عن اليهود وأكاذيبهم" سنة 1543، وفيه شن عليهم هجوماً عنيفاً، ووصفهم بكارهي السيد المسيح، وقال إن الدليل على أن الرب أنزل عليهم لعنتهم أنهم خسروا جميع الحروب التي دخلوها عبر التاريخ، كما وصفهم بأنهم "شعب ملعون ومنغلق". 

نشأة اللاسامية

ظهرت حركة معاداة السامية في ألمانيا أثناء النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن نشر الصحافي ويلهلم مار كتابه "مرآة اليهود" في ستينات القرن الماضي، الذي وصف فيه اليهود بأنهم "جذام العصور الحديثة". لكن الحرب الفرنسية البروسية التي بدأت عام 1870 شغلت الألمان عن هذه القضية، إلى أن عادت لتطرح نفسها بقوة بعد الحرب عام 1878، في ظل مخلفات الحرب الاجتماعية والاقتصادية، وتضخم الشعور بالانتماء القومي الألماني، والأزمة المالية، فتم إلصاق هذه الأزمات باليهود وبدأت ظاهرة "مطاردة اليهود"، ومن تم انتقلت الظاهرة إلى النمسا وفرنسا وبلجيكا وبولونيا وروسيا ورومانيا، وانتقلت إلى الجزائر حيث كان يوجد الفرنسيون المستعمرون.

عانى اليهود في أوروبا شتى صنوف القتل والتعذيب والاعتقالات والعنف، فقد تحولوا إلى "كبش الفداء" في المجتمعات الأوروبية التي كانت تلصق به جميع المصائب التي تصيب الأوروبيين، كالأمراض والأوبئة وتلوث المياه وقتل الأطفال، لأن اليهود أصبحوا في أعين الأوروبيين رمزاً للعنة والفساد، وإذ كان المسيحيون يفسرون مختلف ظواهر الطبيعة بإرادة الرب، فقد كانوا يؤمنون بأن اليهود الذين يعيشون بينهم هم سبب نزول البلاء عليهم. وخلال القرن التاسع عشر تصاعدت الكراهية تجاه اليهود، ما أدى إلى تعريضهم للعنف والقتل واقتحام ونهب بيوتهم وهدمها، وحرمانهم من مزاولة بعض المهن والوظائف مثل السكة الحديدية والطيران، ومنعهم من دخول الجمعيات المنتخبة، ومن امتلاك الأراضي، وسمح لهم بالتجنيد لكن دون حمل السلاح. وأصبح اليهود يعيشون في ظروف صعبة، يتكدس أفراد العائلة الواحدة في بيت صغير، وينتشر بينهم مرض التيفوس. 

ومع ظهور النزعات القومية الأوروبية، وحروب القوميات بين الدول الأوروبية في أعقاب الثورة الفرنسية، اشتد التضييق على اليهود الذين أصبحوا نشازاً وسط المجتمعات الأوروبية التي كانت تسعى إلى البحث عن عناصر التجانس العرقي والوحدة القومية في إطار الدولة القومية الحديثة، حيث تحولوا إلى جسم غريب داخل الدول الحديثة، وأدوا ثمناً باهظاً في النزاعات القومية بين الأوروبيين.

في ظل هذا المناخ السياسي والثقافي الجديد طرحت المسألة اليهودية كمعضلة في حاجة إلى حل، من هنا ظهرت دعوة النمساوي ثيودور هرتزل الذي يعرف بأنه "الأب الروحي للدولة اليهودية"، فقد نشر عام 1896 كتابه الشهير "الدولة اليهودية" الذي اعتبر فيه أن "الدولة اليهودية ضرورية للعالم"، وقال: "إنني أرى أن المسألة اليهودية ليست دينية ولا اجتماعية، بل قومية".

وقد نشر كتاب هرتزل بعد أربعة عقود من صدور مقال كارل ماركس "عن المسألة اليهودية" الذي نُشر عام 1843، إلا أن لم يلقَ نفس الرواج الذي لقيه كتاب هرتزل بين اليهود الأوروبيين رغم يهودية ماركس، والسبب في ذلك أن هذا الأخير طرح المسألة اليهودية في إطار المشروع الاشتراكي، بينما طرحها هرتزل في إطار المشروع القومي. لقد كتب ماركس مقاله ذاك رداً على الفيلسوف وعالم اللاهوت الألماني برونو باور الذي نشر كتاباً تحت عنوان "المسألة اليهودية" عام 1843، انتقد فيه سعي اليهود الألمان إلى البحث عن خلاصهم الخاص كيهود لا كألمان، ووصفهم بالأنانية، لأنهم لا يعملون مع الألمان من أجل انعتاق ألمانيا بشكل عام ومن أجل انعتاق البشرية. واعتبر باور أن لا أحد في ألمانيا حصل على حريته، وأن الاضطهاد الذي يشكو منه اليهود في ألمانيا لا يقتصر عليهم وحدهم، بل يطال جميع المواطنين الألمان. 

ولدى قيام الثورة البلشفية في روسيا سار فلاديمير لينين في نفس التوجه الماركسي المشار إليه، فقد اعتبر أن الدعوة إلى هوية قومية لليهود هي دعوة رجعية ومعادية للبروليتاريا، ورأى أن الحل للمسألة اليهودية يكمن في "وضع حد للخصوصية اليهودية". غير أن هذه الحلول للمسألة اليهودية، في إطار قومي أو اشتراكي، لم تلغِ الحل التقليدي القديم للمسألة اليهودية، المتمثل في الإبادة الجماعية التي كانت شائعة في العصور الوسطى الأوروبية. ففي عهد النازية في ألمانيا خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي عاد هذا الحل إلى الواجهة مع هتلر، وظهرت قضية المحرقة النازية والهولوكوست. ولم يكن مفهوم "الحل النهائي" الذي رفعته النازية في وجه الوجود اليهودي ابتكاراً ألمانياً، وإنما كان مجرد استعادة لتجربة تاريخية انتشرت في أوروبا المسيحية طيلة قرون.

وقد شجعت النازية والهولوكوست أوروبا وأميركا على دعم اليهود في إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، كحل نهائي للمسألة اليهودية الذي كانت عنصر إزعاج للعقل الأوروبي باستمرار، وشكلت فلسطين نقطة التقاء المصالح بين اليهود والغرب، فاليهود باغتصاب فلسطين سوف يتمكنون من إنشاء دولة قومية لهم على غرار الدولة القومية الأوروبية التي طالما حلموا بها، والغرب سوف يتخلص من المسألة اليهودية بإجلائهم إلى فلسطين؛ وقد شكلت هذه الصيغة واحدة من المداخل التي كانت مطروحة طيلة قرون لحل المشكلة اليهودية، وهو مدخل الطرد، لأن تجميع اليهود في فلسطين كان بمثابة طردهم خارج بلدان أوروبا. 

تعريب "المسألة اليهودية"

لقد جرى التخطيط بشكل دقيق لكي تتحول المسألة اليهودية إلى مسألة عربية، وتتخلص أوروبا منها بعد أن أصبحت جمرة حارقة، وهذا لم يكن ممكناً من دون إنشاء الدول القومية في العالم العربي بعد سقوط الخلافة العثمانية، لأن الخلافة كانت تخضع لنظام يختلف عن الدولة القومية الأوروبية الحديثة ويسير وفق نظام المِلَل. ولذا، وقفت بريطانيا وراء حفز الدول العربية على إنشاء جامعة الدول العربية في أربعينات القرن الماضي، لأن توطين اليهود في فلسطين كوطن قومي ما كان ممكناً من دون خلق الاعتراف لدى العرب بالنزعة القومية.

وعندما بدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان يهود أوروبا وروسيا أول المهاجرين، فهم الذين أنشئوا أول الكيبوتسات (المستوطنات الزراعية والعسكرية)، وهم الذين أنشؤوا الصندوق اليهودي العالمي لجمع التبرعات، والوكالة اليهودية لتهجير اليهود. ولم يبدأ اليهود العرب في الهجرة إلى فلسطين إلا في النصف الثاني من القرن العشرين بوجه خاص، أي بعد أن اكتمل المشروع الصهيوني وظهرت دولة إسرائيل.

* كاتب وباحث مغربي



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة