الخميس 15 كانون الثاني 2026 - 0:05
كتب (فاروق عيتاني)
عن دار جداول من بيروت صدر كتاب «العثمانيون بعيون عربية» للدكتور مهند مبيضين.
هذه قراءة نقدية هادئة في صورة العثمانيين داخل الوعي العربي، كما تشكّلت في النصوص الأدبية والتاريخية والفقهية، منذ العهد العثماني وصولًا إلى ما بعد سقوط الدولة.
لا يسعى الكتاب إلى تبرئة التجربة العثمانية ولا إلى شيطنتها، بل يحاول تجاوز الانقسام التقليدي بين خطاب احتفائي وآخر قومي ناقم، عبر وضع التجربة في سياقها التاريخي والحضاري.
ينطلق المؤلف من سؤال مزدوج: كيف نظر العرب إلى العثمانيين؟ وكيف نظر العثمانيون إلى العرب؟ وهو سؤال لا يُجاب عنه بإجابة واحدة، بل عبر تتبّع أصوات متعددة، من نخب المدن العربية إلى الرحّالة، ومن الأدبيات الإصلاحية إلى المراسلات الإدارية. بهذا المعنى، لا يتحدث الكتاب عن «عين عربية» واحدة، بل عن عيون عربية مختلفة ومتباينة، تتأثر بالموقع الجغرافي، والطبقة الاجتماعية، واللحظة السياسية.
من أبرز ما ينجزه الكتاب تفكيك اللغة النهضوية التي راجت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بمفرداتها من قبيل «الصحوة» و«النهضة» و«الاستبداد». يبيّن المؤلف أن هذه اللغة لم تكن بريئة، بل أدّت وظيفة سياسية ورمزية، إذ افترضت أمة «نائمة» تحتاج إلى خلاص من مركز عثماني متخلّف. غير أن مبيضين لا يسقط في السردية الأوروبية التي تصوّر الدولة العثمانية جسدًا مريضًا، بل يوضح كيف تسلّل هذا التصور إلى الوعي العربي عبر الترجمة والتعليم والإرساليات، لا عبر الاستعمار المباشر فقط.
يُحسب للكتاب اعتماده على مادة غنية ومتنوعة، تجمع بين الوثيقة والسرد، وبين الأرشيف العثماني والمصادر العربية والغربية، مع اهتمام خاص بالبعد الرمزي للصورة في تشكيل الذاكرة العربية. فالكتاب لا يؤرّخ للدولة العثمانية بقدر ما يؤرّخ لصورتها في الوعي العربي كما صاغتها الكتب المدرسية والخطابات السياسية بعد الحرب العالمية الأولى.
مع ذلك، لا يخلو العمل من مواطن ضعف. من أبرزها أن تتبّع «العيون العربية» يبدأ عمليًا من دخول العثمانيين إلى المنطقة بعد مرج دابق (1516)، في حين أن هذه العيون كانت قد تشكّلت أبكر من ذلك، منذ أخبار فتح القسطنطينية عام (1453)، حين نظر العرب إلى العثمانيين بوصفهم حملة نصر الإسلام. هذا البعد المبكر كان يمكن أن يعمّق فهم التحوّل من الإعجاب إلى النقد، ومن الرمز الديني إلى الصراع السياسي.
في المحصلة، يقدّم الكتاب مساهمة مهمّة في إعادة قراءة التجربة العثمانية خارج ثنائيات التمجيد واللعن، ويضع القارئ العربي أمام مرآة لا تعكس العثمانيين فقط، عبل تعكس أيضًا تاريخ تشكّل وعينا الحديث، بتناقضاته وأسئلته المفتوحة.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



