الأربعاء 4 شباط 2026 - 0:14
في تقرير للكاتب الإسرائيلي جاك نيريا، نُشر في "معهد القدس للاستراتيجيا والأمن"، تحت عنوان: "لن نقف على الحياد": تهديد حزب الله وأسباب تردُّده في الهجوم". تطرق فيه إلى التعبير الذي استخدمه قاسم عندما قال "لن نكون حياديين". وجاء في التقرير:
استخدم الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في خطابه بتاريخ26 كانون الثاني/يناير 2026، تعبير "لن نكون حياديين"، في سياق الحديث عن احتمال شنّ هجوم أميركي - إسرائيلي على إيران. وعلى الرغم من أن هذا التعبير يمكن أن يُفهم، للوهلة الأولى، أنه إعلان حرب مبطّن، فإن الخطاب تضمّن جملة من التحفّظات الجوهرية التي تستحق التوقف عندها.
شدّد قاسم على أن حزب الله سيقرر "كيفية التصرف في الوقت المناسب"، وتعمّد تجنُّب أي التزام صريح بشأن ردّ عسكري فوري، أو شامل. بل ضيّق الخط الأحمر الذي رسمه عندما ربط مصدر قلقه الأساسي بالتهديدات الموجهة ضد المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي الخامنئي، واصفاً أي مساس به بأنه "اغتيال للاستقرار الإقليمي"، كذلك قدّم حزب الله بأنه "هدف" للعدوان نفسه الموجّه ضد إيران، وبذلك صوّر أي تحرُّك محتمل على أنه دفاع عن النفس، لا فتح "جبهة إسناد" من دون استفزاز مسبق.
عملياً، يواجه حزب الله في سنة 2026 عائقَين رئيسيَّين إذا ما قرر الانضمام رسمياً إلى الجهد الحربي الإيراني: أولاً، أدى الصراع في سنة 2024 إلى إلحاق أضرار جسيمة ببنية القيادة المتوسطة، وبالبنية التحتية العسكرية للحزب. وعلى الرغم من أن الحزب تمكن منذ ذلك الحين من إعادة تنظيم صفوفه وتجنيد عناصر جدد، وإعادة ترتيب المستويات القيادية، ونشر وحدات على طول الجبهة مع إسرائيل، وإعادة تشغيل مرافق إنتاج السلاح، فإن تبنّي "جبهة إسناد" جديدة، على غرار تلك التي فُتحت عقب هجوم "حماس" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ربما يعرّض التنظيم لخطر حقيقي يتمثل في انهيار تنظيمي شامل.
ثانياً، من المرجّح أن يؤدي خرق وقف إطلاق النار، الذي تم بوساطة أميركية، إلى ردّ إسرائيلي واسع النطاق، يستند إلى إجماع داخلي أقوى داخل إسرائيل، وإلى شرعية دولية أوسع، مقارنةً بجولات القتال السابقة، ولا سيما في ضوء الهدف المتوقع هذه المرة: تدمير ما تبقى من القوة العسكرية للوكيل الشيعي.
يتوافق هذا التقدير القائل إن قرار الحزب الانضمام إلى إيران في جهد حربي مستقبلي هو مسألة نيّات على الأرجح، مع سبب وجود التنظيم ذاته، المرتبط ارتباطاً وثيقاً ببقاء النظام الإيراني. وفي الوقت عينه، يمكن فهم خطاب قاسم أنه ممارسة لـ"الردع عبر الكلام"، أي محاولة ردع إسرائيل والولايات المتحدة من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
علاوةً على ذلك، ينسجم هذا الخطاب مع ما يُعرف بـ"متلازمة كربلاء" – وهي إطار أيديولوجي متجذّر في التصورات الشيعية للتضحية الذاتية، تعود جذوره إلى معركة كربلاء في سنة 680 ميلادية، حين قاتل الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، وهو على عِلم مسبق بمصيره، وقُتل مع مجموعة صغيرة من أهل بيته وأنصاره في مواجهة جيش أموي متفوق عدداً وعدةً. وضمن هذه الرؤية، فإن حتمية الهزيمة لا تمنع الفعل.
وبناءً على ذلك، واستناداً إلى تصريحات قاسم المتكررة بشأن الاستعداد للعمل ضد إسرائيل حتى لو كان الثمن الخسارة المؤكدة، يمكن الاستنتاج أن القرار الاستراتيجي المبدئي لدى حزب الله اتُّخذ بشكل فعلي، وحصل على غطاء رسمي من إيران خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى لبنان في مطلع كانون الثاني/يناير 2026.
ومع ذلك، تشير كثرة التحفّظات في تصريحات قاسم إلى أن حزب الله لا يعتزم المبادرة إلى مواجهة مباشرة وشاملة مع إسرائيل. فبدلاً من فتح "جبهة إسناد" عالية الكثافة بشكل تلقائي، تتضمن إطلاقاً صاروخياً مستمراً، توحي المقاربة الحالية بنهج أكثر تدرّجاً وحذراً. وعلى الأرجح، هو منسّق مع الإدارة الإيرانية الأوسع لشبكة وكلائها الإقليميين. وبالنسبة إلى حزب الله تحديداً، يعني ذلك "تدخلاً محسوباً"، وانخراطاً في أنشطة ضمن "المنطقة الرمادية"، أو تنفيذ ضربات محدودة تهدف إلى تشتيت انتباه إسرائيل، أو ممارسة ضغط عليها، مع التوقف المتعمّد، قبل الانزلاق إلى حرب شاملة يمكن أن تقضي على ما تبقى من معاقل التنظيم في لبنان.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



