الأربعاء 25 شباط 2026 - 0:02
في مقال تحليلي نشرته صحيفة هآرتس، يرى المحلل السياسي تسفي برئيل أنّ الحرب على إيران لن تؤدي إلى اختفاء ساحتَي سورية ولبنان. وجاء في المقال:
أدلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في حفل تخريج دورة ضباط يوم الخميس الماضي تصريحات حاسمة رسمت ملامح الاستراتيجيا الأمنية الجديدة لإسرائيل، فقال: "قريباً ستقف ’حماس‘ أمام معضلة: إمَّا أن تنزع سلاحها بالطريقة السهلة، وإمَّا أن يُنزع سلاحها بالطريقة الصعبة. لكنه سيُنزع، وغزة لن تعود لتهدد إسرائيل. هناك مبادئ أُخرى في مفهومنا الأمني الجديد. جيوش ’الإرهاب‘ لن ترابط بعد الآن على حدودنا، ولن نتحمل وجود جهات جهادية بالقرب منا. وسواء المناطق العازلة، أو المناطق المنزوعة السلاح بعرض عدة كيلومترات على طول حدود الدولة، فإن كليهما حاجة ضرورية لتقليل خطر التوغل البري، ونحن نصرّ على ذلك. وفي ضوء كل هذا، سيبقى الجيش الإسرائيلي في المناطق العازلة في لبنان وسورية."
لكن نتنياهو لم يوضح كيف سيتم نزع سلاح "حماس"، وما إذا سيكون ذلك قريباً، والكيفية التي تتماشى بها هذه الالتزامات مع خطط دونالد ترامب - الذي نجح في جمع سبعة مليارات دولار، وتبرع بنفسه بعشرة مليارات أُخرى لإعادة إعمار غزة - ومع الاستعدادات لنشر قوة شرطة فلسطينية في القطاع. كما يُطرح تساؤل بشأن كيفية انسجام السيطرة الإسرائيلية الدائمة على مناطق عازلة في لبنان وسورية مع الطموح الأميركي لمساعدة الحاكم السوري أحمد الشرع في فرض سيادته على كامل الأراضي السورية، أو حل مسألة نزع سلاح حزب الله وتثبيت حكومة فاعلة في لبنان.
يبدو أن إسرائيل - كما الحال في غزة - لا تملك في سورية ولبنان استراتيجيا واضحة - وهو مصطلح لا يحبه نتنياهو كثيراً- ونتيجة لذلك، قد تجد نفسها في هاتين الساحتين في مواجهة استراتيجيا أميركية متبلورة.
اللافت في تصريحات نتنياهو أنها بدت وكأنها منسوخة من مصدر آخر. فقبل تسعة أيام فقط، صرّح وزير الدفاع التركي يشار غولر بأن تركيا أيضاً لا تنوي مغادرة سورية، وقال: "قرار الانسحاب يعود إلى الجمهورية التركية، ولن يأخذ في الاعتبار ما يقوله الآخرون، ولا يوجد قرار كهذا في الوقت الراهن." تركيا وإسرائيل هما القوتان الأجنبيتان اللتان تسيطران حالياً على أراضٍ في سورية، وكل منهما يدّعي "حق الاحتلال"، وهما تتنافسان فعلياً على النفوذ في دولة حصل رئيسها على دعم ترامب وتأييده وحتى إعجابه. وعندما يتحدث نتنياهو عن "الجهاديين" الجالسين على حدود إسرائيل، فهو يقصد، بين آخرين، الرئيس السوري نفسه، الذي وصفه ترامب بأنه "يقوم بعمل ممتاز".
من المؤكَد أن نتنياهو وغولر قاما بقراءة التغريدة التي نشرها طوم باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، في 20 كانون الثاني/يناير باهتمام، والتي قال فيها: "الوضع في سورية تغيّر جذرياً. هناك الآن حكومة معترَف بها انضمت إلى ائتلاف الدول التي تحارب ’داعش‘، وهو ما يدل على توجهها نحو الغرب والتعاون مع سياسة الولايات المتحدة ضد الإرهاب." يبدو أن الإدارة الأميركية، المنشغلة ببناء القوة استعداداً لمواجهة مع إيران، لم تردَّ بعد على تصريحات نتنياهو وغولر. لكن بخلاف إسرائيل التي تتعرض لضغوط لصوغ تسوية أمنية مع سورية، فإن تركيا تُعتبر الحليف الأهم لواشنطن في هذه الساحة، إذ تضمن سلوك الشرع، وتعمل على إعادة بناء الجيش السوري. إن الاحتلال التركي يحظى بشرعية، بينما يُنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي باعتباره عقبة.وإذا قرر ترامب مساعدة الشرع، فقد يُطلب من إسرائيل، من جملة أمور أُخرى، الانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها سنة 2024.
وفي نهاية كانون الثاني، حققت تركيا إنجازاً استراتيجياً مهماً بتوقيع الاتفاق الذي فُرض على الأكراد، والذي ينص على دمج قواتهم بالتدريج في الجيش السوري، وضم حقول النفط والمعابر الحدودية التي كانوا يسيطرون عليها إلى مؤسسات الدولة. وإذا لم تطرأ تطورات أُخرى، فإن القوات الكردية ستتوقف عن الوجود ككيان مستقل، ومعها قد تتلاشى أيضاً الإدارة الذاتية الكردية التي نشأت خلال الحرب الأهلية.
وفي تغريدته، لم يترك باراك مجالاً كبيراً للتأويل بشأن مكانة الأكراد، إذ كتب أن التطورات في سورية "تغير المنطق الذي قامت عليه الشراكة الأميركية - الكردية: فصلاحية الهدف الأصلي من إنشاء قوات سورية الديمقراطية كقوة رئيسية ضد ’داعش‘ قد تراجعت إلى حد كبير." أي أن الأكراد، من منظور واشنطن، أنهوا مهمتهم.
وهذه ليست المرة الأولى التي يشعر فيها الأكراد بالخيانة من جانب الولايات المتحدة. أمَّا من منظور إسرائيل، فإن التخلي عن الأكراد ينسف الاستراتيجيا الطموحة التي حاولت تعزيزها منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، والتي استندت إلى إنشاء كانتونات للأقليات الدرزية والكردية وربما العلوية، لتكون أدوات نفوذ وضمانة ضد اقتراب جهات معادية من حدودها.
تشير أيضاً طريقة فرض الاتفاق على الأكراد إلى الاتجاه الذي قد تسلكه واشنطن ودمشق في التعامل مع الملف الدرزي، لاستكمال "بسط السيادة" السورية على كامل الأراضي، وهنا يُتوقَع صراع أكثر تعقيداً، لأن الضغوط الأميركية في محافظة السويداء ليست بقوة الضغوط التي مورست في المنطقة الكردية. وإذا قررت واشنطن دعم توحيد سورية تحت قيادة الشرع، فإن الضغط الأساسي سيوجَه إلى إسرائيل، التي قد تُطلب منها العودة إلى خطوط الفصل لسنة 1974، مع تعديلات تكتيكية محدودة.
في هذه الأثناء، يعمل الشرع سياسياً لضم محافظة السويداء إلى تسوية كاملة تضمن - من وجهة نظره - أمن سكانها، ومنح الدروز مكانة مناسبة في مؤسسات الدولة والحفاظ على حقوقهم الثقافية. لكن الطريق لا يزال طويلاً، وهناك تقارير متضاربة تصل من المحافظة بشأن الوضع الاقتصادي، وبشأن حصار مفروض على السكان؛ إذ اتهم الشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل، النظام السوري بفرض حصار كامل، ومنع دخول الغذاء والدواء، وقال إن نحو 120,000 من سكان السويداء نزحوا بسبب الهجمات والمجازر التي ارتكبتها قوات موالية للنظام في تموز/يوليو، وإن نحو 300 شخص، بينهم نساء وأطفال، محتجَزون لدى السلطات.
في المقابل، نفى محافظ السويداء مصطفى البكور هذه الادعاءات، وأكد أن مئات الأطنان من الطحين تدخل أسبوعياً المحافظة، واتهم "عصابات غير قانونية" بنشر معلومات مضللة لخدمة مصالحها.
من الصعب التنبؤ بكيفية صوغ حل متفَق عليه للقضية الدرزية، وخصوصاً في ظل تجميد المحادثات الأمنية بين إسرائيل وسورية، وإصرار نتنياهو على البقاء في الأراضي السورية من دون تحديد سقف زمني، في وقت لا تبدو فيه الإدارة الأميركية مستعجلة.
في هذه الأثناء، تجني الولايات المتحدة ثمار الاتفاق بين الأكراد والنظام السوري، إذ غادر معظم قواتها قواعدها، وأُغلق مخيم الهول الذي كان يضم نحو 30,000 معتقَل من عناصر "داعش" وعائلاتهم، ونُقلوا إلى مراكز تديرها قوات النظام.
وفي ظل الاستعدادات لإمكان مواجهة مع إيران، فستبقى سورية ساحة ثانوية موقتاً، الأمر الذي يمنح إسرائيل حرية عمل نسبية. لكن بعد انتهاء أي مواجهة ممكنة، سيكون من الأفضل أن تكون إسرائيل مزودة بخريطة طريق واقعية للتعامل مع الساحات التي ما زالت تُعتبر تهديداً، وتمنع عودة السكان المهجرين إلى منازلهم.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



