دولي وعربي


كيف يسقط النظام في إيران؟

الخميس 12 شباط 2026 - 0:07

 

 

كتب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق تساحي هنغبي مقالة في صحيفة "يديعوت أحرونوت" تحت عنوان: "الحزم وحده سيؤدي إلى إسقاط النظام في إيران". جاء فيها:

المرة الأخيرة التي نجحت فيها الضربات الجوية في إخضاع نظام استبدادي كانت سنة 1999؛ حين واجهت دول الغرب حملة التطهير العرقي الوحشية التي نفذتها يوغوسلافيا ضد الأقلية الألبانية في كوسوفو، التي كانت آنذاك إقليماً تابعة لصربيا ضمن يوغوسلافيا، وبعد فشل الجهود الدبلوماسية في وقف المجازر وعمليات التهجير، نفذت قوات حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة حملة عسكرية واسعة النطاق سُمّيت بـ "القوة المشتركة"، ولم تتضمن العملية مناورة برية أو نشاطاً ميدانياً، واعتمدت بالكامل على ضربات جوية وصواريخ هدفت إلى التدمير المكثف للبنى التحتية الاستراتيجية للدولة والجيش. ولم يكن لدى الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوزوفيتش ردّ فعال على الهجوم، فاستسلم لإملاءات الناتو، وسحب قواته من كوسوفو. وبعد نحو عام ونصف، وتحت ضغط احتجاجات شعبية حاشدة، اضطر إلى التنحي عن منصبه، وأنهى حياته في زنزانة في سجن لاهاي خلال محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

بعد 27 عاماً، يتساءل قادة سياسيون وعسكريون كبار حول العالم عما إذا كان يمكن التوصل إلى نتيجة مماثلة ضد نظام ميلوزوفيتش في حالة النظام في إيران. لم تكن عملية الناتو لإنقاذ كوسوفو خطوة منفردة، إنما استمرت 77 يوماً متواصلاً من القصف الجوي وإطلاق صواريخ كروز من طرف الولايات المتحدة وبريطانيا، وشارك في الحملة أكثر من ألف طائرة. وعلى الرغم من أن القوات الأميركية نفذت الجزء الأكبر من العمليات، فإن دولاً عديدة شاركت فيها، منها بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وإسبانيا، وغيرها. لكن يبدو أن هذا ليس هو الوضع في الحالة الإيرانية؛ فالرئيس ترامب لا يسعى لتشكيل ائتلاف دولي واسع لمواجهة الجيش الإيراني، كما لا ينوي الانخراط في حرب طويلة. ووفقاً لوسائل الإعلام الأميركية، فقد طلب من المؤسسة العسكرية إعداد خطة لعملية "سريعة وحاسمة".

في ظل هذه الأوضاع، التي تختلف عن نهج الولايات المتحدة في حرب البلقان، هل يمكن لعملية عسكرية مركزة وقصيرة نسبياً، من دون استخدام قوات برية، أن تفرض على النظام الإيراني الاستجابة لمطالب رُفضت منذ عقود، أو أن تمهد الطريق لتجدد الاحتجاجات الشعبية التي قد تؤدي لاحقاً إلى تغيير النظام؟

لا أعلم ما إذا كانت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) قد أعدت خطة واقعية تتماشى مع رغبة ترامب، فإن حَشْدَ القوات نحو ساحة العمليات يوحي بوجود تخطيط دقيق. لكن هذا مجرد استنتاج، كما أن مسألة استعداد الرئيس لتحمُّل تكلفة كهذه الحملة تبقى غير معروفة. لا توجد حرب بلا ثمن، وغالباً ما يكون الثمن مؤلماً وأحياناً غير متوقّع. وعند الحديث عن مواجهة مع إيران، وهي قوة إقليمية كبيرة ذات قيادة أيديولوجية متشددة، ويبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة، ولديها قدرة مثبتة على الصمود، فهناك اعتبارات كثيرة على ترامب أن يوازن بينها: التأثيرات السياسية الداخلية، والتداعيات الدولية، والانعكاسات في الاقتصاد العالمي في حال استهدفت إيران حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتأثير ذلك في العلاقات مع حلفاء الخليج، وإمكان استهداف قواعد وأصول أميركية في المنطقة.

إن الهدف العملياتي هو التدمير الشامل لمراكز الثقل الحرجة للنظام الإيراني، وعددها سبعة: القيادة السياسية، والقيادة العسكرية وكبار مسؤولي الأجهزة السرية، والبنى التحتية المدنية التي تخدم أيضاً الحرس الثوري (كالجسور والمصانع وغيرها)، وسلاح الجو الإيراني، والبنية التحتية البحرية، وقواعد ومقار الحرس الثوري، ومنظومات الصواريخ الباليستية، ومنشآت البرنامج النووي التي بدأت إيران في إعادة تأهيلها. هذه الأهداف ليست سرية، والجميع يعرفها. لكن إيران لا تملك القدرة على حمايتها لفترة طويلة من ضربات مدمرة.

إيران عملت بعد الأشهر الأخيرة على إعادة تأهيل قدراتها في مجال الدفاع الجوي، إلاَّ إن سلاح الجو الأميركي يملك خبرة واسعة، ومن المرجح أن يتمكن خلال أيام قليلة من فتح ممرات جوية آمنة لطائراته الهجومية، ومنذ تلك اللحظة، سيكون أي هدف تحدده الاستخبارات عرضة لضربات دقيقة. يمكن الفرار من القواعد، لكن لا يمكن إنقاذها من التدمير، ويمكن مغادرة السفن، لكن البحرية الإيرانية لا تستطيع منع إغراق أسطولها بالكامل.

حتى "أسطول الظل" الإيراني يجب أن يكون هدفاً مشروعاً، إذ تستخدم إيران عدداً كبيراً من السفن التي تبدو مدنية، لكنها مجهَزة بأنظمة عسكرية متطورة، بما في ذلك رادارات وأنظمة جمع معلومات وأسلحة ومنصات لإطلاق مروحيات وطائرات مسيَّرة، وتستخدمها البحرية الإيرانية لنقل الإمدادات والوقود والأسلحة بين قواعدها الممتدة على سواحل إيران الطويلة. يجب تدمير هذا النظام الذي يتيح لإيران ممارسة "الإرهاب" الإقليمي والعالمي وتهديد طرق التجارة الدولية.

قد يأمر سلاح الجو الإيراني طياريه بمغادرة الطائرات، لكن لا يوجد في إيران ملجأ تحت الأرض عميق بما يكفي لحمايتها من التدمير. تملك إيران مئات الطائرات الحربية وطائرات النقل والاستطلاع والمروحيات. لكن على الرغم من أن كفاءتها لم تُختبر عملياً منذ الحرب الإيرانيةالعراقية، فإن إيران أثبتت قدرات تكنولوجية متقدمة في مجالات عديدة، ولا يوجد سبب للاعتقاد أنها أهملت صيانة سلاحها الجوي وتطويره. لذلك، ينبغي عدم التقليل من أهمية هذا السلاح، وعلى مخططي الحملة استهداف جميع الطائرات بلا استثناء.

إذا أدار الرئيس ترامب المواجهة مع إيران بالحزم نفسه الذي أظهره الرئيس بيل كلينتون سنة 1999، فهناك سبب وجيه يدعو الإيرانيين إلى الأمل، فكوسوفو اليوم دولة ديمقراطية، وقد تتحقق أيضاً تطلعات الإيرانيين إلى الحرية.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة