دولي وعربي


حزم إسرائيلي بمواجهة الحزب

الجمعه 3 نيسان 2026 - 0:06

تحت عنوان "الحزم في مواجهة إيران ووكلائها الإقليميين" كتب  العميد الإسرائيلي المتقاعد أمير أفيفي مقالة في صحيفة "يديعوت أحرونوت". جاء فيها:

إن المواجهة الجارية بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران ليست جولة صراع محدودة أُخرى، بل هي صراع واسع ذو تداعيات إقليمية وعالمية، وفي مركزه عزيمة مشتركة لواشنطن والقدس على تحقيق حسم استراتيجي ضد إيران وشبكة الوكلاء التي بنتها على مدى أعوام، وعلى رأسها حزب الله و"حماس" والحوثيون. وإلى جانب البعد العسكري المباشر، يدور الحديث حول صراع على ميزان القوى في الشرق الأوسط، والسيطرة على طرق التجارة والطاقة، وعلى تشكيل النظام العالمي في عصر التنافس بين القوى الكبرى.

في هذه المرحلة من الحملة، يبدو كأن جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية المباشرة لإيران تضرر، أو دُمّر، بما في ذلك أجزاء واسعة من قدراتها الصناعية. على مدار أعوام، استثمرت طهران موارد هائلة في بناء منظومات الصواريخ الباليستية، والبنية التحتية النووية، ومنظومات الطائرات المسيّرة، وشبكات الوكلاء الإقليميين. إلّا إن العمليات العسكرية الدقيقة، إلى جانب الجهود الاستخباراتية المستمرة، أدت إلى إلحاق ضرر عميق بهذه القدرات. هذا الضرر ليس تكتيكياً فحسب، بل استراتيجياً أيضاً، ويؤدي إلى تجريد إيران من قدراتها العسكرية والسلطوية بالتدريج، وكل يوم يمرّ يعمّق هذا التآكل.

في ظل هذا الواقع، يتبلور الآن هدف إضافي هو الانتقال من إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى ضرب أسس قوتها الاقتصادية؛ وأحد المحاور المركزية في هذا السياق هو جزيرة خرج في الخليج العربي، وهي نقطة رئيسية لتصدير النفط الإيراني؛ إن السيطرة الأميركية، أو الرقابة المشددة على المنطقة، إلى جانب السيطرة على مضيق هرمز، أمور ربما تغيّر قواعد اللعبة الاقتصادية. يُعَد مضيق هرمز إحدى أهم نقاط الاختناق في العالم في مجال الطاقة، إذ يمرّ عبره نحو 20% من النفط العالمي، وهو ما يجعله أصلاً استراتيجياً بالغ الأهمية.

في هذا السياق، تُطرح أحياناً فرضية أن يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أساساً لإنهاء العملية بسرعة وتقليص الانخراط الأميركي في المنطقة، لكن تحليلاً أعمق للتطورات يشير إلى أن الواقع ربما يكون أكثر تعقيداً. يبدو كأن واشنطن تسعى لترسيخ سيطرة استراتيجية أوسع في المنطقة، وبصورة خاصة حول طرق الطاقة المركزية. إن السيطرة، أو التأثير الأميركي في تدفّق النفط الإيراني – وخصوصاً إذا تم تداوُله بالدولار ضمن آلية "البترودولار" – يمكن أن يعزز مكانة الدولار والاقتصاد الأميركي.

يكتسب هذا البعد أهمية إضافية في ظل التنافس العالمي مع الصين وروسيا، اللتين تسعيان في الأعوام الأخيرة لتوسيع نفوذهما في الشرق الأوسط وبناء منظومات اقتصادية بديلة من النظام الغربي، وأصبحت إيران شريكاً مركزياً في هذا المسعى، وبشكل خاص في مجالات الطاقة والتعاون العسكري؛ لذلك، من وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن المواجهة مع إيران ليست مسألة إقليمية فحسب، بل باتت جزءاً من صراع أوسع على النظام العالمي.

مع ذلك، من المهم التأكيد أن وجهة نظر إسرائيل تختلف، إلى حد ما، عن نظيرتها الأميركية؛ بالنسبة إلى إسرائيل، الهدف المركزي في هذه الحملة هو أمني: تدمير القدرات النووية الإيرانية، وتفكيك منظومة الصواريخ الباليستية، وقطع الدعم عن الوكلاء الإقليميين الذين يشكلون تهديداً مباشراً لمواطنيها؛ يُنظر إلى حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن على أنهما جزء من "حلقة نار" تم بناؤها حول إسرائيل على مدى أعوام بهدف تهديدها من عدد من الجبهات في آن معاً.

يوجد في كل هدف من هذه الأهداف تطابُق مصالح واضح بين إسرائيل والولايات المتحدة. فواشنطن أيضاً لا ترغب في إيران نووية، وترى في منظومة الصواريخ ونشاط الوكلاء عاملاً مُزعزعاً للاستقرار الإقليمي، لكن إلى جانب ذلك، تنظر الولايات المتحدة إلى المواجهة من منظور أوسع، ومن بين الأسئلة المركزية بالنسبة إليها: كيف يمكن فصل إيران عن محور الشراكة المتنامي مع الصين وروسيا؟

إن إحدى الاستراتيجيات الممكنة في هذا السياق هي محاولة تغيير موقع إيران في النظام الدولي؛ تسعى واشنطن لتحويل إيران إلى دولة لا تقف في مواجهة الغرب، بل تندمج في النظام الاقتصادي والسياسي الذي تقوده الولايات المتحدة، ولتحقيق ذلك، قد تستخدم الولايات المتحدة أدوات اقتصادية وسياسية تدفع النظام الإيراني إلى الاستسلام من دون شروط. وفي الوقت نفسه، هناك سيناريو محتمل لتغيير النظام، إذا ما اندلعت احتجاجات داخلية واسعة بين الشعب الإيراني. إلى جانب قضية الطاقة، توجد ساحة اقتصادية أُخرى تدور فيها المنافسة بين القوى الكبرى، هي سوق المعادن النادرة؛ تسيطر الصين اليوم على نحو 90% من إنتاج ومعالجة هذه المعادن الحيوية لصناعة الرقائق الإلكترونية والسيارات الكهربائية والتقنيات المتقدمة؛ هذه السيطرة تمنح بكين أداة ضغط استراتيجية كبيرة، وتسعى الولايات المتحدة لإيجاد طرق لموازنة هذا التفوق، ومن بين الخيارات تعزيز السيطرة على مصادر الطاقة العالمية، وعلى رأسها النفط.

في نهاية المطاف، إن الحملة الحالية ليست مجرد تفكيك للمحور الشيعي، أو إحباط للتهديد المباشر لإسرائيل، بل ترتبط أيضاً بجهد أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، كمنطقة للتعاون الاقتصادي والنقل بين الشرق والغرب. وفي هذا السياق، تكتسب مبادرة إنشاء ممر التجارة والطاقةIMEC أهمية خاصة، وهو مشروع يهدف إلى ربط الهند ودول الخليج والسعودية وإسرائيل بأوروبا.

قد يخلق مثل هذا الممر طرق تجارة جديدة تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا، وتقلل الاعتماد على المسارات التي تسيطر عليها أطراف مُنافسة؛ علاوةً على ذلك، ربما يرسّخ هذا الممر تحالفاً إقليمياً واسعاً يضم دولاً عربية معتدلة إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة. هذا التحالف يمكنه ضمان أمن طرق الملاحة، وتطوير بنى تحتية متقدمة للطاقة، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين مناطق كانت منفصلة في السابق.

في المحصلة، فإن المواجهة مع إيران ليست مجرد صراع عسكري، بل نقطة تحوُّل استراتيجية، ونجاحها يمكن أن يؤدي إلى تفكيك منظومة التهديدات المحيطة بإسرائيل، وربما يفتح الباب أيضاً أمام نظام إقليمي جديد ترتبط فيه طرق التجارة والطاقة والتكنولوجيا بين الشرق والغرب تحت هيمنة أميركية أوسع.

 

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة