الاثنين 23 حزيران 2025 - 0:04
خلص تحليل إخباري في صحيفة "يسرائيل هيوم" إلى أنّ انضمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحرب الإسرائيلية – الإيرانية أكثر تعقيداً مما يبدو عليه.
وقال أبراهام بن تسفي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، في تحليله: "في تشرين الأول/أكتوبر 1962، اكتشفت طائرة تجسُس أميركية أدلة واضحة على إنشاء قاعدة صواريخ سوفياتية في جزيرة كوبا، وهو ما وضع الساحل الشرقي للولايات المتحدة في خطر حقيقي وفوري لهجوم نووي من موسكو، وواجه الرئيس جون كينيدي معضلة مصيرية، وتردد مراراً وتكراراً بشأن الرد الأميركي المناسب. في البداية، دعم إزالة التهديد فوراً عبر قصْف جوي، لكنه بعد أن فهم أن السوفياتيين يملكون القدرة على استخدام هذه الصواريخ فوراً، اقتنع بأن الضربة العسكرية يمكن أن تؤدي إلى تصعيد خارج عن السيطرة، وقرر فرْض حصار بحري، ومنح خروتشوف فرصة للتراجع، على أمل أن يؤدي ذلك إلى حل دبلوماسي.
وقد مرت عدة سنوات منذ ذلك الحين. ومع أن الأوضاع الحالية تختلف جوهرياً، فإنه يمكن الإشارة إلى أوجه تشابُه مثيرة للاهتمام بين تصرُّف كينيدي وتصرُّف دونالد ترامب في الأزمة الحالية مع إيران. كَسَلَفِه التاريخي، يتردد الرئيس الأميركي الخامس والأربعون حالياً فيما إذا كان عليه إرسال قاذفاته الثقيلة لتدمير المنشأة المحصّنة في فوردو وإلحاق ضرر كبير بالمشروع النووي الإيراني، وهذا التردد الطويل يدل على أنه، خلافاً لصورته النمطية، لا يتصرف بتهوُّر، بل يدرك تماماً تعقيد الموقف.
من جهة، فإن نجاح العملية يمكن أن يمنح الرئيس رصيداً سياسياً كبيراً، ويُظهره كقائد حاسم وشجاع، سواء على المستوى الإقليمي، في إطار سعيه لبناء شراكة واسعة مع العالم السنّي، أو على المستوى العالمي في مواجهة روسيا والصين، اللتين تسعيان لاستغلال أي مظهر من مظاهر الضعف الأميركي. وعلاوة على ذلك، ومع مرور الأيام، يزداد وضوح الفجوة بين أسلوب التفاوض العملي القائم على الصفقات الذي يتبعه ترامب، والأسلوب الدائري والمعقّد للمرشد الإيراني علي خامنئي، الأمر الذي يقوّض بالتدريج آمال البيت الأبيض في التوصل إلى اتفاق، ويقوده نحو المسار العسكري.
لكن من جهة أُخرى، يدرك ترامب مجموعة من العوامل التي يمكن أن تقوّض حلمه في أن يُعتبر مهندس النصر على "محور الشر"؛ أولاً، كما كينيدي في وقته، يعلم ترامب أن اختراق منشأة فوردو لا يعني بالضرورة انهيار النظام الإيراني. ثانياً، رغبته في توجيه ضربة حاسمة أثارت فعلاً جدلاً حاداً داخل معسكره بين التيار الانعزالي المتمسك بشعار "أميركا أولاً" والمعارض لأي تدخُّل عسكري مكلف في الخارج، والتيار الداعم للتدخُّل الانتقائي. كما أن الذاكرة التاريخية المؤلمة لحروب فيتنام والعراق وأفغانستان لا تزال حاضرة بقوة في وعيه ووعي قاعدته السياسية.
ثالثاً، يسعى الرئيس لترك بصمة في التاريخ كوسيط بارع، وليس كزعيم يؤجج النزاعات ويوسّعها. وهو يدرك تماماً المخاطر، بما في ذلك أزمة اقتصادية ومالية ممكنة داخل الاقتصاد الأميركي نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، وإغلاق ممرات بحرية استراتيجية، وهجمات متوقعة على القواعد الأميركية في العراق من طرف الميليشيات الشيعية الموالية لإيران.
ومع ذلك، يمكن أن يقلب ترامب، بطريقته الجدلية المعهودة، هذه الحُجج رأساً على عقب، ويدّعي أن هذه الخطوة ضرورية لإخضاع عدو قاسٍ. ويمكن أن تُعتَبر عملية خاطفة وساحقة حافزاً ضرورياً لاستئناف المفاوضات والوصول إلى الاتفاق المنشود، وهو ما سيؤجل حلم إيران بامتلاك القنبلة النووية لسنوات.
وهنا يُطرح سؤال مهم: هل إرسال ست قاذفات شبح من طرازB-2 ، القادرة على حمل قنابل خارقة للمخابئ لضرب أعماق فوردو، هو مؤشر واضح على عملية عسكرية وشيكة، أم هو مجرد جزء من دبلوماسية "المدافع والقاذفات"، التي تهدف إلى إرهاب العدو وإقناعه بتليين مواقفه؟
في النهاية، السؤال الحاسم في هذه اللحظة المفصلية هو: أي بُعد في تفكير الرئيس سيكون الغالب؟ هل هو رغبته الأساسية في تجنُّب التورط في مغامرات خارجية، أم طموحه الكبير لاستغلال الفرصة التي أوجدتها إسرائيل لتفكيك "محور الشر"، ووضْع قواعد جديدة للّعبة في الشرق الأوسط بقيادة أميركية حاسمة؟
قريباً، وربما قريباً جداً سنعرف الجواب عن هذا اللغز. وكما حدث في قصة كينيدي، ربما يكون هذا الحدث هو الحدث التأسيسي الذي سيعرّف فترة رئاسته بأكملها".
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



