الخميس 5 شباط 2026 - 0:10
حذر الكاتب والخبير الإسرائيلي في الشؤون الاستراتيجية أرييل لفيتا، من أن أي صفقة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد تمنح النظام الإيراني "أوكسجيناً سياسياً" للاستمرار، مقابل قيود محدودة على برنامجه النووي والصاروخي، بما قد يفرض قيوداً مباشرة على هامش الحركة الإسرائيلي.
جاء ذلك في مقال تحليلي نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، بعنوان "المعضلة في الصفقة مع إيران". جاء فيها:
إن تركيزنا على سؤال ما إذا كان ترامب سيهاجم إيران، وما إذا كانت ستردّ علينا، مفهوم، لكنه يفوّت الجوهر، لأنه من الواضح أن رئيس الولايات المتحدة يفضّل عدم الهجوم، ومن خلال تهديداته، يحاول الدفع بصفقة تزيّن قائمة إنجازاته؛ أمّا النظام الإيراني، الضعيف أصلاً والمكروه في بلده، فيسعى، هو الآخر، بيأس لإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة، أو على الأقل، مفاوضات طويلة الأمد معها، من شأنها أن تمنع هجوماً في المدى المنظور.
إذاً، ما هي طبيعة الصفقة التي يسعى ترامب لعقدها، وأين تضع هذه الصفقة، أو على الأقل، الجهد المبذول للتوصل إليها، إسرائيل والعالم؟ ظاهرياً، تطرح الولايات المتحدة على الإيرانيين ثلاثة مطالب: عدم السعي لامتلاك سلاح نووي؛ كبح برنامج الصواريخ؛ الامتناع من تقديم الدعم لعناصر "إرهابية" في الشرق الأوسط؛ عملياً، يتضح من مجرد صوغ هذه المطالب أنه لا يوجد شرط لتغيير النظام في إيران، بل إن تلبية هذه المطالب ستمنحه الأوكسجين للاستمرار، لكن اثنين فقط من هذه المطالب الثلاثة يمكن قياسهما والتحقق منهما وفرضهما فعلياً.
فيما يتعلق بالمطلب الأول، يبدو كأن إيران ستكون مستعدة لتعليق إعادة بناء برنامجها النووي، وعلى رأسه تخصيب اليورانيوم، بشرط الإبقاء على أفقٍ ما لاستئنافه في المستقبل، حتى لو كان ذلك في إطار كونسورتيوم دولي. ويبقى الخلاف المبدئي فيما إذا كانت القيود وآليات الرقابة التي ستُفرض على إيران ستُلزمها أيضاً التخلي عن مخزون اليورانيوم الذي راكمته، والامتناع من استئناف نشاط مجموعة تطوير السلاح النووي. ومن خلال ممارسة ضغط أميركي مناسب، ربما ترضخ إيران لهذه المطالب، التي تُعَد حاسمة بالنسبة إلينا.
وبافتراض أن إيران لا تعترف، علناً، بتقديم دعم عسكري للحوثيين وحزب الله والميليشيات في العراق وغيرها، فمن المرجح أن تكون مستعدة لتقديم التزامٍ ما في هذا المجال أيضاً، وخصوصاً أنه من الصعب مراقبة وفرض هذا النوع من النشاط. وفي أي حال، فإن هذا المطلب لن يُفشل الاتفاق؛ وعليه، فإن العائق الرئيسي أمام التوصل إليه يكمن في قضية الصواريخ. حتى الآن، رفض الإيرانيون حتى الدخول في مفاوضات بشأن هذا الموضوع، فضلاً عن رفضهم فرض أيّ قيود على الصواريخ، التي تشكل جوهر الردع الاستراتيجي لديهم. لكن من المحتمل، في ظل ضعفهم الحالي، أن يوافقوا، على مضض، على فرض بعض القيود في هذا المجال (مثل تقييد مدى الصواريخ [إلى 1000 كيلومتر؟]، على أمل أنهم سيتمكنون من مواصلة تعزيز منظومة الإطلاق البعيدة المدى لديهم، عبر حِيَل عديدة.
لكن مثل هذه المفاوضات أين يضع إسرائيل؟ من الواضح أن قيام إسرائيل بشنّ هجوم على النظام، أو على منظومة الصواريخ، خلال المفاوضات، أو بعد توقيع الاتفاق، سيصبح أمراً غير ممكن، لأن الولايات المتحدة ستقيّد أيضاً حرية إسرائيل في تنفيذ نشاطات سرّية لإحباط هذه القدرات.
ومع ذلك، إذا نجحت الولايات المتحدة فعلاً في تجميد برنامج السلاح النووي الإيراني وتضييق هامش حركته في مجال الصواريخ، فإن إسرائيل ستستفيد من الاتفاق، بشرط أن تضمن الإدارة الأميركية أن تكون "التفاصيل الصغيرة" في الاتفاق، المتعلقة بتحديد القيود وترتيبات الرقابة، طويلة الأمد وصارمة بما يكفي، لأن مثل هذا الإنجاز سيكون أكبر كثيراً مما تستطيع إسرائيل تحقيقه بمفردها عموماً، وبقوتها العسكرية خصوصاً؛ كما أن ثمن أيّ مواجهة عسكرية إضافية مع إيران لن يكون ضئيلاً بالنسبة إلينا، ولا أحد يعلم كيف ستكون نتائجه.
علاوةً على ذلك، يجب الإدراك أن إسرائيل لا تملك قدرة عملية على منع إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، ولا على إثقال كاهلها بمطالب إضافية أكثر؛ لكن ما دام الاتفاق يُنفَّذ وفق هذه المعايير، ستتمكن إسرائيل من التركيز على المراقبة الدقيقة لالتزام الإيرانيين بشروطه، وعلى إحباط المحاولات السرية لمواصلة دعم أذرعهم في المنطقة؛ كذلك يمكن لإسرائيل الدخول في حوار وثيق مع إدارة ترامب بشأن إنفاذ الاتفاق.
ومع ذلك، فإن التقدم في هذا المسار، مهما كان مرحّباً به، سيترك أمامنا ثلاث مشكلات من دون حل؛ الأولى، والأكثر إلحاحاً، هي التوتر بين مهارة ورغبة الإيرانيين في كسب الوقت، عبر المفاوضات، وبين عدم قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تركيز قوة عسكرية كبيرة بهذا الحجم في المنطقة لفترة طويلة؛ المشكلة الثانية هي خيانة الشعب الإيراني، الذي يعاني جرّاء حكم الملالي القاسي والفاسد، والأخطر من ذلك، تشجيع استمرار هذا الحكم بفضل الحوار مع الولايات المتحدة. فعداؤهم لإسرائيل لن يتغير.
المشكلة الثالثة، وهي الأطول أمداً، تكمن في التوتر بين محدودية انتباه إدارة ترامب وصبر الإيرانيين، الذين ينظرون إلى بناء قوتهم الاستراتيجية على أنها ماراثون، وليست سباقاً قصيراً؛ فقيادة إيران الحالية يمكن أن تراهن على أنه بمجرد أن ترفع الولايات المتحدة تهديد الهجوم وتسحب قواتها من المنطقة، ستجد صعوبة في إعادة حشدها هناك مرة أُخرى. وليس هذا فحسب، بل إن ترامب سيجد صعوبة خلال ما تبقى من ولايته في الاعتراف بأنه أبرم اتفاقاً سيئاً، وربما لا يشعر خلفاؤه في البيت الأبيض، بالضرورة، بالالتزام بتطبيق أي اتفاق وضع ثقته به.
هذه الأثمان والمخاطر الجسيمة ترافق أيّ مفاوضات، وبالتأكيد أيّ اتفاق مع النظام الإسلامي في إيران، وبالتأكيد في هذه المرحلة، غير أن الأمل بإحداث تغيير داخلي في إيران من الخارج ليس مضموناً. وفي أفضل الأحوال، يمكن إضعاف النظام من الخارج، عبر نزع الشرعية عنه وفرض العقوبات. كما أنه لا توجد أيّ ضمانة بأن الذين سيرثون الحكم في إيران سيكونون أكثر تنويراً، أو اعتدالاً، وخصوصاً حيال القضايا التي تثير قلقنا. وليس هناك ما يضمن أن حالة من الفوضى في إيران، أو صعود نظام بديل، سيخدمان مصالحنا، أو حتى مصالح الشعب الإيراني العريق.
لذلك، في المحصلة، لا يوجد أمامنا بديل عملي، ويجب السماح للولايات المتحدة باستنفاد مسار المفاوضات مع إيران، على أمل أن يكون قصيراً وعملياً، وفق ما ذُكر أعلاه، ومع الأمل بأن تؤدي التوترات الداخلية، إلى جانب استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي من الخارج، إلى تقصير عمر نظام "حكم رجال الدين".
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



