الجمعه 27 شباط 2026 - 0:05
كتب تسفي برئيل محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة "هآرتس" مقالة تحت عنوان: "في إسرائيل، جاهزون لأيّ سيناريو يتعلق بإيران، باستثناء الاتفاق". جاء فيها:
عندما يعرض قادة الجيش الأميركي، وبينهم رئيس هيئة الأركان العامة المشتركة الجنرال دان كين، أمام الرئيس دونالد ترامب سيناريوهات للحرب مع إيران، فإنهم يحرصون، بطرق مباشرة، أو غير مباشرة، على اطلاع الجمهور عليها أيضاً. والتقرير الذي نُشر قبل 3 أيام في صحيفة "وول ستريت جورنال"، والذي يفيد بأن قادة الجيش يخشون من حملة طويلة يمكن أن تستنزف منظومات الدفاع الجوي وتتسبب بسقوط ضحايا أميركيين، ومن دول حليفة، لا يدل على عدم الاستعداد للحرب، أو التردد حيالها، بل يشارك الجمهور صورة وضعٍ يجب أن تثير القلق، غير أنه في إسرائيل، تفضل الحكومة تسويق الخيار المخدّر القائل: "نحن مستعدون لكل سيناريو"؛ وهي صيغة كان يُفترض بها منذ زمن أن تدفع مواطني إسرائيل إلى حالة من الذعر.
لندع جانباً لِلحظة السيناريوهات التي قامت بتغذية "التصور" الذي صاغته حكومة الخراب قبل الحرب على قطاع غزة، وإخفاقات الجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات التي لم تتوقع السيناريو الصحيح، وبالتالي لم تستعد له؛ لا يزال عشرات آلاف المواطنين في إسرائيل غير قادرين على العودة إلى بيوتهم؛ عدد كبير جداً لم يتلقّ علاجاً، أو تعويضاً؛ هناك منازل دُمرت لا تزال أنقاضها قائمة؛ أعمال تجارية ضاعت؛ والجيش الإسرائيلي، المتعطش للقوى البشرية، يواجه واقعاً لا سيناريو لا يبدو فيه أي احتمال لامتلاء صفوفه بآلاف الشبان من اليهود الحريديم، وفي الوقت نفسه، تتسع الجبهات أكثر فأكثر؛ في لبنان وسورية، يسيطر الجيش الإسرائيلي على أراضٍ، وغزة تنتظر تجدُّد الحرب؛ وفي الضفة الغربية، استولت عصابات إرهابٍ يهودية على زمام الأمور من أيدي الجيش، وفرضت عليه التجند لخدمتها. فهل استعدّ الجيش أيضاً لهذا السيناريو؟
في وقتٍ تمتلئ الشبكات بنداءات حربٍ هستيرية، وبأوصاف إسقاطٍ وتصفية للنظام الإيراني، إلى جانب ضربات عميقة للمنشآت النووية والصواريخ الباليستية، لا أحد هنا يعرف كم ستكون تكلفة الحرب، مهما كانت مبرَّرة، ومهما حلم الحالمون بنجاحها. هل ستنضم إسرائيل إلى الحرب، أم ستبقى في المدرجات بانتظار نصر أميركي مطلق؟ هل ستُفتح الجبهة اللبنانية من جديد؟ كم صاروخاً إيرانياً سينجح في اختراق غطاء الدفاع الذي يعدوننا بأنه أكثر إحكاماً مما كان عليه في حرب الاثني عشر يوماً؟ كم مدنياً يمكن أن يُصاب، أو يُقتل، وكم مبنى سيُدمر، وكم من المشردين سينتظرون إعادة تأهيلهم؟ هل أُعدت خطط إجلاءٍ للمدنيين؟
لم يقف أيّ "مسؤول رفيع"، عسكرياً كان، أم مدنياً، رئيس أركان، أو رئيس حكومة، أمام الجمهور ليشرح ما الذي ستنطوي عليه هذه الحرب. فالمعلومات ذات الصلة، حسبما يُقال لنا، سنسمعها من قيادة الجبهة الداخلية. وحتى ذلك الحين، ابقوا هادئين. عندما يكون هناك حاجة إلى تعليمات، ستسمعونها، والحساب سيصل في موعده أيضاً.
ظاهرياً، كل ثمن هو ثمن مستحق من أجل القضاء على التهديد النهائي لوجود الدولة. فإذا كان رئيس الولايات المتحدة يهيئ الفرصة، ويسخّر كامل القوة العسكرية لدولته من أجلنا، فمَن نحن حتى نزعجه ونزعج أنفسنا بأسئلة "معقدة"؟ لكن الظاهر أن دونالد ترامب نفسه منشغل بهذه الأسئلة؛ في نظره، إبرام اتفاق سياسي مع إيران هو بديل جدير، بل مفضل، وربما نعرف هذا الأسبوع ما إذا كان واقعياً أيضاً.
أمّا في إسرائيل، فإن مجرد النطق بكلمة "اتفاق" يثير اشمئزازاً مصحوباً بسخرية عميقة، وبحق. فعندما تنظر إسرائيل في المرآة، ترى فيها دولة انتهكت كل اتفاق وقف إطلاق نار وقّعته، وركلت القانون الدولي بفظاظة، ودهست حقوق الإنسان، وارتكبت أفعالاً فظيعة يُشتبه في أنها جرائم حرب؛ لكن إيران، حتى بحسب كبار مسؤولي المنظومة الأمنية في إسرائيل، التزمت بالكامل حيال الاتفاق النووي الأصلي، لا بل انتظرت عاماً كاملاً، بعد انسحاب دونالد ترامب منه بشكل أحادي، وبتشجيع من إسرائيل، قبل أن تبدأ بخرقه بالتدريج. الاتفاق مع إيران سيكون له ثمن، لكنه سيكون معلوماً وواضحاً بدرجة أكبر كثيراً من أي سيناريو من سيناريوهات الحرب.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



