بورتريه


حلّاق البسطة

السبت 16 تموز 2022 - 23:04

كتب (هشام عليوان)

كان هيّناً ليّناً، سَمْحاً مَرِحاً، متحدّثاً لبقاً، أميناً خَلوقاً. وبهذه، كان محبوباً من زبائنه، يدخل بيوتهم بانتظام كحلّاق متجوّل في أحياء البسطة، فيحفظ سرائرهم وأسرارهم، يعاونهم في بعض شؤونهم، إلى جانب قصّ شعورهم وحلق ذقونهم، وعلاج "الثعلبات" في رؤوسهم. يخفّف من همومهم بقصصه الطريفة التي يرويها باحتراف، ويتساهل في قبض أجرة الحلاقة (وهي زهيدة) ممن لا يملكها كلّها، يأخذ المتوافر منها، وبعض الأحيان يأخذها كموادّ عينيّة، حتى كان منزله في البسطة مذ دخلتُه خاطباً ابنته الوحيدة، وصهراً له، مليئاً بأقفاص العصافير. كان يهوى اقتناء العصافير، ولا يقاوم مقايضة أجرة الحلاقة بعصفور ظريف، وإن كان يُهديه لاحقاً لقريب أو صديق!

عدنان فليفل (1949-2021) كان حلّاق البسطة، مع تعدّد محالّ الحلاقة فيها، وعلى الرغم من أنه من أسرة حلّاقين. فأشقاؤه عبد الكريم رحمه الله، ويوسف وعماد، هم أيضاً حلّاقون. وابنه الكبير محمد هو حلّاق، ولديهم جميعاً تلك الصفات المميّزة، من الظرافة، والطرافة، والبساطة، والطِّيبة. "أوادم" كما يقول البيارتة، كأنّ الأزعر ليس من بني آدم. لكن عدنان لم يكن حلّاقاً فقط، يحمل الموسى والمقصّ، وينتقّل من رأس إلى آخر، صبياً كان الزبون أم عجوزاً، ومن بيت إلى آخر، في قيظ الصيف وقرّ الشتاء، يُسامر زبائنه الذين أضحوا أصدقاءه، ويُلقي النكات راوياً القصص خالطاً بين الواقع والخيال، ناشراً الفرح والبسمة بين الحاضرين. أحياناً يكون معالجاً نفسياً، ومصلحاً اجتماعياً تارة أخرى. فكثير من زبائنه هم من أصحاب الأحوال الضيّقة مادّيّاً من متقاعدين أو عاطلين عن العمل، أو من ذوي الاحتياجات الخاصة. لا يتذمّر من صعود الأدراج إلى الشقق المرتفعة عندما لا تكون كهرباء، ساعياً على قدميه من منطقة إلى أخرى، مسجّلاً المواعيد على دفتر صغير. ولائحة الزبائن تتقلّص باستمرار. هم في خريف العمر، وهو حلّاقهم المفضّل.

كان يروي لي كلما ألتقيه حادثة وقعت معه أثناء حلاقة شعر زبون طاعن في السنّ، إذ يمكنك توقّع أيّ شيء. فجأة يميل رأسه غائباً عن الوعي، فتنقلب حفلة الحلاقة إلى حالة طوارئ، فتنتهي أحياناً بالوفاة، فيكون مقصّ أبي محمد، هو آخر عهد الزبون بالدنيا، ملفّحاً بالمنشفة حول عنقه، وطقطقات المقصّ ترنّ في أذنيه. في حالات أخرى، كان يُستدعى إلى المستشفى لحلاقة ذقن الزبون، وقد طالت مع مُضيّ الأيام، أو لقصّ شعر رأسه، أو ما بقي منه. وفي حالة غريبة، رواها لي، استدعاه مسلّحون خلال الحرب الأهلية، لحلاقة اعتيادية كما كان يظنّ. فلما دخل الغرفة وسط حراسات مشدّدة، وجد نفسه أمام زبون ميت بكامل أناقته. فوجئ بالمشهد، فكيف يحلق ذقن ميت؟ وكيف تطاوعه نفسه فعل ذلك؟ أصرّت أسرته على إتمام العمل، فهم يريدونه أن يكون على أتمّ هيئة، وهو في رحلة الذهاب إلى العالم الآخر. أما هو، كما قال لي، فقد تذرّع بأن الميت قد بردت جثته مع مرور الوقت، وبات من الصعب بمكان، تليين جلده بالمراهم تمهيداً لإزالة الشعر من وجهه بالموسى.

كانت بداياته في محلّ على خط التراموي في البسطة، وهو شارع أثري، يسكنه المشهور من السياسيين والمشايخ والفنّانين. ولأنه بدأ المهنة صغير السنّ إلى جانب شقيقه الأكبر عبد الكريم، فكان يقف على عتبة خشبية كي يصل إلى مبتغاه، رأس الزبون وذقنه. وأوّل ما تعرّفت إليه، في هذا المحلّ عن طريق والدي رحمه الله. كان والدي يقرض الشعر الهجائي بمعظمه، وفق الإيقاع الموسيقي الذي يتوافق أو لا يتوافق مع أوزان الشعر، ويحبّ الطريف من الكلام، فكان يهوى رفقة عبد الكريم. في تلك الأيام، كنتُ أفضّل بطبيعة الحال حلاقة عبد الكريم، إذ كان أكثر خبرة آنذاك. ولم أكن أتصوّر أن أصبح بعد سنوات، صهر عدنان، وراوي بعض أجمل حكاياته.

لقد أخبرني عمّي المرحوم، عبر السنين، قصصاً عدة من يوميّاته، منها ما هو طريف ومنها ما هو غريب. وفي بعض الأحيان كان يروي نكتاً على شكل قصص واقعية، فلا أتمكّن من التمييز بينها. من أشهر تلك القصص، أن الفنّان شوشو (حسن علاء الدين) كان يسكن قرب محلّ الحلاقة، واعتاد حلاقة ذقنه كل يوم سبت، قبل الذهاب إلى مسرحه الشعبي وسط بيروت. في سبت ما، كان الشقيقان عبد الكريم وعدنان منشغلين جداً، وخاصة يوم السبت وهو نهاية أسبوع عمل، فلم يتمكّنا من حلاقة ذقن شوشو. مرّ عليهما الفنّان المرح، سلّم عليهما، وأعطاهما بطاقتي دخول إلى المسرحية. ذهب الشقيقان إلى المسرح، فوجدا أن مقعديهما في الصفّ الأول، فظنّا أنه من باب التكريم لهما. بدأت المسرحية، فإذا بالفنان إبراهيم مرعشلي في سياق المشهد، يسأل شوشو باتفاق مسبق بينهما: ولَوْ يا شوشو لماذا لم تحلق ذقنك؟ فأشار شوشو إلى موضع جلوس الأخوين فليفل في الصفّ الأول، وقال: كلّ الحق على هذين قليلي الذوق. وكلّ الجمهور يتطلّع إليهما! 

ومن القصص الطريفة التي سمعتها منه عشرات المرّات، وكنتُ أضحك لسماعها في كلّ مرّة كما لو كانت أوّل مرّة، حتى أكاد يُغشى عليّ، قصة المريض الذي أوصاه الطبيب بشرب حليب امرأة، فطلب كعكعاً مع الحليب. وقصة الرجل الذي كان يسهر مع الأصدقاء في منزل مشلي المجاور لبناية فليفل، فضحك كثيراً بعد سماعه نكنة، حتى خرج منه صوت مرتفع من أسفله، ثم وقع ميتاً. استدعوا الدكتور إبراهيم يحيى، وهو كان الطبيب المفضّل عند مشايخ البسطة، فحصه وسألهم ما الذي حدث؟ أخبروه الخبر. فقال لهم: بسيطة. طلعت روحه من أسفله. أما القصة الغريبة عن الجرذ الذي قبض عليه، فجعل حرّاً في أسفله، وقطّبه ثم أرسله، فقام الجرذ المحرور بقتل كل زملائه في الوكر، فكان يرويها لنا بكلّ جدّية وكأنها حقيقة.

على مدى ما يقارب ربع قرن، لم أسمع منه لوماً، ولا عتاًباً. ظلّ يناديني باسمي، إلى أن رُزقت بصبيّ، فبات لا يناديني إلا بـ"أبو محمد". فلسفته في الحياة في غاية البساطة: "الدنيا لا تستحقّ أن تحزن فيها، أو من أجلها".

: خاص (أيوب)



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط