الجمعه 27 آذار 2026 - 0:00
خاص (أيوب)
يمكن القول الآن، إننا في وسط الحرب لا في نهايتها، أو انتهت المرحلة الأولى، باغتيال عدد كبير من القيادات السياسية والأمنية والعسكرية الإيرانية، وتدمير حجم غير معلوم من القدرة التصنيعية والتسليحية، لا سيما الصواريخ الباليستية والمسيّرات، علاوة على المواقع النووية، وستبدأ قريباً المرحلة الثانية، وهي الأعنف، من أجل فتح مضيق هرمز بالقوة، والسيطرة على جزيرة خرج، بما يفرض حصاراً شاملاً على النظام، ولربما يتداعى وينهار بحسب الآمال الأميركية والإسرائيلية.
وبانتظار ذلك، طرح ترامب مشروع الحل على الإيرانيين بالواسطة، ويتلخص بإنهاء المشروع النووي الإيراني، بما يتضمن تفكيك منشآتها النووية وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصّب، والتعهد بعدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية. تقييد برنامجها الصاروخي من حيث عددها ومداها، ووقف تمويل حلفائها الإقليميين، مثل حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن، وإعادة فتح مضيق هرمز ليعمل ممراً ملاحياً حراً، وبالمقابل رفع جميع العقوبات الدولية المفروضة على إيران. باختصار هو عرْض استسلام.
بالمقابل، طرحت إيران خمسة شروط لإنهاء الحرب، وهي: وقف كامل للعدوان وعمليات الاغتيال من جانب العدو، وضع آليات ملموسة لضمان عدم فرض الحرب مجدداً على الجمهورية الإسلامية، ودفع تعويضات عن أضرار الحرب، وبالاحتفاظ بالسيطرة الحصرية على مضيق هرمز، وأن توقف إسرائيل هجماتها على حلفاء إيران في المنطقة. باختصار هو ردّ ملطّف بما يوازي طلب استسلام ترامب ونتنياهو لطهران، واعتراف منهما بهيمنة إيران ووكلائها على المنطقة.
لكن هل تستطيع إيران كسر التوازن وفرض شروطها هي في أي اتفاق مع الولايات المتحدة، ومع إسرائيل ضمناً؟
الخطاب الإيراني في سقف عالٍ، وهو كان كذلك في آخر مفاوضات قبل انطلاق الحرب عليها في ٢٨ شباط/فبراير الماضي، وحتى إنه ظلّ كذلك بعد إلحاق خسائر جسيمة في القيادة الإيرانية وفي بنيتها العسكرية والأمنية. ما زالت إيران تراهن على النصر، بمعنى الحفاظ على مكتسباتها، المشروع النووي، والصواريخ الباليستية، النفوذ الإقليمي عبر أذرعها. فكيف يمكنها الانتصار بهذه الشروط وهذه الطريقة، أي الاستمرار بإطلاق الصواريخ والمسيّرات ضد إسرائيل ودول الخليج، وإقفال مضيق هرمز بما يعيق حركة التجارة النفطية في العالم. استطراداً، يريد حزب الله العودة أو يحلم، إلى ما قبل حرب الإسناد في ٨ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣؟ بعبارة أوضح، هل موازين المعركة في الميدان العسكري والمجال الاقتصادي تسمح بكسر المعادلة الحالية والعودة إلى المعادلات السابقة، عندما كان محور المقاومة يحكم أو يتحكم بالمنطقة؟
لا واشنطن ولا تل أبيب بوارد الاستسلام، علاوة على الانهزام. والمسألة هي إرادة الحكومة سواء في الولايات المتحدة أو إسرائيل بالاستمرار بالصراع مهما كانت التكاليف، وهذا بمقابل استعداد إيران والحزب للاستمرار في القتال مهما كانت الخسائر أو التضحيات. هي معركة كسر عظم هذه المرة. ومن يتألم أولاً يخسر الرهان. والطريق ما تزال طويلة.
لقد خططت إيران للحرب الحالية منذ صدمة حزيران الماضي، فاستفادت من تجربة الحزب في لبنان على مدى أكثر من ٤٠ سنة، ولا سيما منذ أن طورت سلاح الصواريخ لدى الحزب، كي تهندس خطتها الدفاعية والهجومية بالطريقة نفسها. ولتقاتل ليس كدولة تملك جيشاً نظامياً كبيراً، بل كميليشيا. وإذا كانت إيران كما الحزب غير قادرة على حماية مواردها البشرية والمادية من الاستهداف الجوي المدمر، وحتى لو كانت الصواريخ غير قادرة على إقامة معادلة الردع البديل كما ظهر في الحرب على الحزب في العام الماضي، إلا أن الضربات الهجومية والانتقامية، لها دور آخر، أساسي، هو استنزاف المجال الأمني والاقتصادي في المنطقة والعالم، لا سيما في المضائق الحيوية، مضيق هرمز حالياً وباب المندب في الأفق.
باختصار، نصبت إيران في آخر أيام المرشد الراحل، فخاً استراتيجياً مفاجئاً، ومن خارج الصندوق، وبما أن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يتجاهلان القوانين الدولية وينتهكانها كل لحظة، فمن المبرر إيرانياً، عدم الالتفات إلى تلك القوانين، سواء التي تراعي سيادة الدول الوطنية، أو حرية الملاحة في المضائق الاستراتيجية.
نحن هنا بإزاء التساوي تقريباً، في انتهاك القوانين التي تحكم العالم منذ هيمنة الغرب على العالم، وهي قوانين غربية خالصة.لكن ما هو أسوأ أن إيران ما بعد علي خامنئي تعتمد مبدأ "عليّ وعلى أعدائي"، وهو المنسوب تاريخياً إلى الشخصية التوارتية "شمشون"، وذلك عندما تهدد إيران بقصف كل منشآت الطاقة في دول الخليج إن استهدف الأميركيون والإسرائيليون منشآتها الطاقوية، فضلاً عن إقفال مضيق هرمز، باعتبار أن هذا سيلحق أضراراً وكوراث بالعالم، لا فقط بدول المنطقة رداً على إلحاق الكارثة بإيران. وهو بالفعل خيار يائس، وكان من الأفضل استغلال نقاط القوة النسبية في استراتيجيتها الاستنزافية في هذه الحرب للحفاظ على علاقاتها التي لا غنى عنها مع دول الخليج وسائر دول الجوار، وصيانة الكيان الأساسي للدولة الإيرانية الحالية من الدمار، والتخلّي استطراداً عن الأحلام الإمبراطورية.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



