الأربعاء 3 كانون الأول 2025 - 0:04
خاص (أيوب)
أصداء معركة "بيت جن" في ريف دمشق، في 28 تشرين الثاني الماضي، وصلت إلى البيت الأبيض، وهي المعركة التي أسفرت عن استشهاد 20 سورياً معظمهم من المدنيين، خلال محاولة قوة إسرائيلية اعتقال ثلاثة أفراد من القرية، فكانت بمنزلة جرس إنذار وتنبيه إلى محاولة نتنياهو إجهاض كل ما عمل عليه ترامب منذ أيار الماضي بدعم من المملكة العربية السعودية من أجل رفع العقوبات عن سوريا الجديدة، بهدف إنهاضها من كبوتها. وكشف موقع "أكسيوس" عن مدى الاضطراب الذي تعاني منه الحكومة الإسرائيلية بسبب التقارب غير المعقول بنظرها بين جهادي سابق والرئيس الأميركي، وبسببه انتشر قلق عميق في الإدارة الأميركية من جنون نتنياهو، وسعيه لإفشال جهود ترامب في غزة وسوريا معاً؛ ففي غزة تواصل إسرائيل حملتها على القطاع خارج الخط الأصفر، وإن بوتيرة منخفضة، فالغارات هناك لم تتوقف، والدم الفلسطيني ما يزال يتدفق، وإن بأعداد أقل من قبل. أما في سوريا، وفي جنوبها على وجه التحديد، تواصل إسرائيل توغلاتها في القرى والبلدات، فتنشر حواجزها وتفتش البيوت، وتعتقل من تراه مشتبهاً به، وذلك من ضمن حرية الحركة التي تمارسها إسرائيل في الجبهات الثلاث: غزة، ولبنان، وجنوب سوريا.
وبحسب "أكسيوس"، فإن إدارة ترامب قلِقة من أن الضربات المتكرّرة لإسرائيل داخل سوريا تزعزع الاستقرار، وتُقوّض الآمال بإبرام اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، وذلك نقلاً عن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى. وقال أحدهما للموقع: "نحاول أن نقول لـ "بيبي" إنه يجب أن يتوقّف عن هذا، لأنّه إذا استمر فسيُدمر نفسه". ويوم الاثنين الماضي، نشر ترامب على منصّتهTruth Social دعماً للشرع، وقال إنه من "المهم جداً أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وصادق مع سوريا"، مضيفاً أنه "يجب ألا يحدث شيء يعوق تطور سوريا لتصبح دولة مزدهرة". وهذا موقف غير مسبوق، من رئيس أميركي مؤيد جداً لإسرائيل، دفاعاً عن نظام سوري جديد، يقوده رئيس كان العام الماضي على لائحة الإرهاب.
وعليه، من المهم معرفة الدوافع التي لا تقتصر على ترامب، بل يشترك معه أعضاء حكومته وإدارته، بكافة أجهزتها المتخصصة، وهي نفسها التي تثير غضب نتنياهو. يقول مسؤول أميركي كبير، بحسب "أكسيوس"، إن لبنان مختلف عن سوريا، "لكن بيبي يرى أشباحاً في كل مكان. نحاول أن نقول لـ "بيبي" أي نتنياهو، إنه يجب أن يتوقّف عن هذا، لأنّه اذا استمر فسيفوّت فرصة دبلوماسية ضخمة، ويحوّل الحكومة السورية الجديدة إلى عدو".
ويسرد الموقع الأميركي دواعي القلق الإسرائيلي، فيقول إن الإسرائيليين صُدموا عندما التقى ترامب بالرئيس السوري السابق، المتمرد، في مايو الماضي في السعودية، وشعروا بعدم الارتياح للود الذي ساد بينهما خلال لقائهما التاريخي في المكتب البيضاوي الشهر الماضي. كما اعترض الإسرائيليون على قرار ترامب رفع العقوبات الأميركية عن سوريا. ورغم أن الإسرائيليين تفاعلوا مع الجهود الأمريكية الرامية إلى التوقيع على اتفاقية أمنية بين إسرائيل وسوريا، إلا أنهم فعلوا ذلك بحذر، وقدّموا مطالب مبالَغ فيها.
ترامب اتصل بنتنياهو وأبلغه بموقفه، ودعاه بل استدعاه لزيارة واشنطن، لمناقشة الأمر. لكن نتنياهو حاول التظاهر بالليونة، دون أن يتراجع، فأمس الثلاثاء، قال: إنه من الممكن عقد صفقة مع سورية، لكنه يتوقع في المقابل أن تُقيم السلطات السورية منطقة عازلة منزوعة السلاح من دمشق إلى جبل الشيخ ومناطق أخرى.وهذا ما ترفضه دمشق، أي أن تسحب قواتها من هذه المنطقة، بل أن تخلو من معظم سكانها كما الحال في هضبة الجولان المحتلة، عقب الاتفاق الأمني المعقود عام 1974، كنتيجة من نتائج حرب تشرين الأول 1973. وأي اتفاق جديد، مع الإدارة السورية الجديدة، يعني توسيع المنطقة السابقة، وانتهاك مضاعف للسيادة السورية، ومنح الانفصاليين في السويداء بقيادة المتمرد حكمت الهجري، هامشاً أوسع من الحركة، لتنفيذ مخططه التدميري للنسيج السكاني في جنوب سوريا، بما ينطوي عليه من تهجير وتطهير على أساس ديني. ويؤكد هذا المنحى، ما تعهد به نتنياهو بحماية حلفائه في السويداء، معطوفاً على اشتراط حدود المنطقة العازلة.
ماذا يعني ذلك؟
أولاً، نجاح الرئيس أحمد الشرع، في حملة العلاقات العامة الموسعة والذكية، منذ سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول العام الماضي، والاستثمار جيداً في المعطيات الجغرافية والديمغرافية والسياسية المعقدة، لخدمة رؤيته لسوريا مزدهرة وقوية، بحيث بات الحليف الأقوى لإسرائيل، معترضاً على تهوّرات حليفه الإسرائيلي.
ثانياً، أكثر ما أغضب إسرائيل هو التقارب بين ترامب والشرع على المستوى الشخصي، لأن هذا قد يشكّل عائقاً حقيقياً، أمام مضي نتنياهو في مشروعه التوسعي في المنطقة، وإسقاط الحواجز التاريخية – ولو تدريجياً وببطء شديد - بين الإدارة الأميركية وشعوب المنطقة، وهو ما عملت عليه جماعات الضغط الإسرائيلية في الوجدان الأميركي، على مدى عقود.
ثالثاً، يهدف نتنياهو إلى جرّ سوريا الجديدة إلى حرب غير متكافئة، لتدمير كل المكتسبات عقب تحرير سوريا، ونشر الفوضى في ربوعها، وتشجيع نزعات التطرف والانفصال، حتى لا تقوم دولة قوية حقيقية من ناحية الشمال.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



