الأحد 6 تموز 2025 - 0:01
خاص (أيوب)
زيارة تاريخية لسماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان إلى دمشق بعد سبعة أشهر من سقوط بشار الأسد، يرافقه وفد رفيع من مفتي المناطق، وأمين سر الفتوى الشيخ أمين الكردي، ورئيس المحاكم الشرعية الشيخ محمد عساف. هي تاريخية لأكثر من اعتبار، إذ لم يسبق أن قام المفتي دريان بزيارة رسمية إلى دمشق منذ انتخابه عام 2014، وتوقيتها تزامن مع لوم دريان الدولة بتهميش أهل السنة في لبنان، فيما يحظى الرئيس أحمد الشرع بشعبية عارمة عندهم، وثمّة من هدّد علناً بالاستعانة بالشرع ضدّ ما رآه أنه ظلم واقع بسنة لبنان، كما جاءت الزيارة عقب دعوات عبر الإعلام الإسرائيلي إلى إجراء مقايضة بين إسرائيل وسوريا؛ ووفق هذه المقايضة، تتخلى سوريا عن الجولان، وتسمح إسرائيل لدمشق باقتطاع طرابلس وجزء من البقاع، فتضمهما إلى أراضيها. وبناء على هذه التهويمات، حاول بعض الناشطين والإعلاميين التخويف من اجتياح سوري وشيك، بناء على مصادر مجهولة-معلومة، لكن المقصود منها تبرير عدم تسليم سلاح الحزب إلى الدولة اللبنانية، بوجود مهمة جاهزة للحزب، وهي التصدّي للخطر القادم من الشرق والشمال.
من هنا، يبرز سؤال وجيه، وهل توقيت الزيارة لبناني أم سوري، أي من الذي أراد حدوثها في هذا التوقيت، الجانب اللبناني أم السوري؟ السؤال مهمّ باعتبار أنّ دار الفتوى طلبت موعداً للقاء الشرع قبل مدّة، وثُبّت الموعد مؤخراً، وليس لدى الجانب اللبناني مطالب محدّدة من دمشق؛ إنما هي زيارة مقرّرة سابقاً، ولم تسمح الظروف بوقوعها قبل هذا التاريخ. فضلاً عن ذلك، الرئيس الشرع حريص على النأي بنفسه عن عادة مستديمة لدى النظام السابق باستقبال الشخصيات اللبنانية من كل الطوائف والتيارات والمراتب، بهدف التدخل في التفاصيل اللبنانية، فيما أكد الشرع منذ اللحظة الأولى، على عدم التدخل، وعدم تكرار السياسات الأسدية. وليس من قبيل المصادفة، أن لقاءات الوفد اللبناني كانت دينية الطابع: الصلاة في المسجد الأموي، والتحادث مع مسؤولي الأوقاف بشأن التعاون المشترك في هذا المجال، فيما كان الشرع مشغولاً باستقبال وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي الذي أعلن عودة العلاقات الثنائية بين بريطانيا وسوريا.
فلماذا كان اللقاء إذاً؟ وما هي مخرجاته؟ من دون التوقف كثيراً عند الجانب الاحتفالي من الزيارة حين قدّم المفتي وسام دار الفتوى المذهّب للرئيس السوري تقديراً لـ"مواقفه الإسلامية والعربية ولجهوده وعطاءاته وتضحياته في خدمة سوريا"، فإنه من الواضح أنّ تبادل رسائل بين لبنان وسوريا جرى في اللقاء بين دريان والشرع؛ فالمفتي كان يحمل معه تحيات الرئيس اللبناني جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام إلى الرئيس الشرع وأشياء أخرى. أما هذه الأشياء الأخرى، فلها علاقة بالشائعات الإسرائيلية عن صفقة مأمولة مع القيادة السورية الجديدة، شبيهة بالتي عُقدت مع حافظ الأسد في السبعينيات، ومضمونها واحد، وهو الجولان مقابل جزء من لبنان. وبحسب التقارير الإعلامية اللبنانية، التي غطّت الحدث، كان لافتاً تأكيد سماحة المفتي على لبنانية مزارع شبعا، فيما كان ردّ الشرع بليغاً حين أكد أن المهم هو تحرير هذه المزارع، ولن تكون سوريا عقبة أمام ذلك. ومن يكون هذا موقفه بشأن مزارع شبعا المتنازع عليها، فماذا يكون رده ضمناً على دعوات إسرائيلية لاحتلال جزء من لبنان، وعلى مزاعم الحشود السورية على الحدود المشتركة، بينما أكد الطرفان على احترام السيادة في كلا البلدين الشقيقين. بالمقابل، كان للرئيس السوري مطلب معاكس، وهو حلّ قضية السجناء السوريين في لبنان، وكثير منهم سُجن بسبب تأييده للثورة التي انتصرت أخيراً.
ماذا يعني هذا؟
إنه يعني أنّ الزيارة دينية واحتفالية من وجه. أما وجهها الآخر، فهو طمأنة البلدين إلى حسن الجوار، وحلّ المسائل العالقة، والتشديد على مسألة الاعتدال، ومكافحة الإرهاب، والإرهاب أكثر ما يهدّد سوريا، بدليل التفجير الإرهابي في كنيسة مار إلياس، في حي الدويلعة، شرق دمشق.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



